فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 40

على طالب السمو أن يعلم أنه ما من عمل إلا وهو دون همة المؤمن؛ لأن قوته من قوة الله؛ فإذا ما شعر بهذا الشعور انطلق نحو هدفه كالصاروخ متساميًا عن جواذب الأرض وثقل الشهوات.

الرجل الراحلة

قال - صلى الله عليه وسلم -: «تجدون الناس كإبل مئة لا يجد الرجل فيها راحلة» [1] ؛ فكما أن في الإبل من لا تستطيع حمل الأثقال وبذل الوسع، كذلك في الناس من لا يستطيع حمل الأمانة الثقيلة لغلبة الشهوات وسيطرة هوى النفس وثقلة الأرض، ومن بين هؤلاء وهؤلاء يخرج الرجل الراحلة ذو القلب الوثاب والعقل الراجح والنفس المندفعة، غايته الله قد أصرَّ على الوصول إليه سالمًا من كل آفة، يحدوه مطلبه الإلهي، لا يلتفت يمنةً أو يسرة إلى حيث الآمال العريضة والطموحات النزقة، قد وثق من ربه بالهداية؛ لأنه في جهاد مستمر لا يفتر عنه {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] ، قد علت همته وقويت إرادته فهيهات للزعازع أن تدك صرحه:

وجد القنوط إلى الرجال سبيله ... وإليك لم يجد القنوط سبيلًا

ولربّ فرد في سمو فعاله ... وعلوه خلقًا يعادل جيلا

لا إفراط في الهمة

صاحب الهمة العالية لا يهدأ ولا يستقر على حال، كلما حاز منزلة رغب في التي فوقها لأن الهدف المحرك لهذه الهمة هدف أعلى، ولكي يحاز لابد من الاستمرار في السير حتى يبلغ منتهاه؛ قال عمر بن عبد العزيز لدكين لما جاءه: «يا دكين إن لي نفسًا تواقة، لم تزل تتوق إلى الإمارة فلما نلتها تاقت إلى الجنة» . ولهذا قيل: «ليس في علو الهمة إفراط في الحقيقة» ؛ بل بهذا الإفراط والتزيد تقتل معاني الإسفاف والذل والخضوع وتكسر القيود المثبتة للأقدام على المسير والمهيضة الأجنحة عن التحليق:

قلت للصقر وهو في الجو عالٍ ... اهبط الأرض فالهواء جديب

قال لي الصقر في جناحي وعزمي ... وعنان السماء مرعى خصيب

(1) صحيح مسلم بشرح النووي ج16 ص: 101.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت