لا بد لطالب السمو أن يكون تقيًا نقيًا: «وما التقوى في حقيقة الأمر بعبارة عن زي مخصوص وهيئة معينة وطراز للمعيشة بعينه؛ وإنما هي عبارة عن حال النفس التي تتكون وتتولد من خشية الله والشعور بالتبعية وتظهر وتتجلى في كل ناحية من نواحي الحياة ومظهر من مظاهرها؛ فالتقوى الحقيقية هي أن يكون قلب المرء مستنيرًا بخشية الله والشعور بعبوديته، وأن يكون وعيه للقيام بين يدي ربه والمسؤولية أمامه يوم القيامة شديدًا قويًا، وأن يدرك إدراكًا تامًا وقويًا أن ليست هذه الحياة الدنيا إلا مضمارًا لامتحانه حيث بعثه الله تعالى ومتعه إلى حين من الزمن، ولا تنحصر القضية في مستقبله الدائم إلا في شيء واحد وهو كيف يستخدم قواه وكفاءاته المختلفة في هذا المضمار للامتحان، وكيف يكون تصرفه في ما أوتي من المال والمتاع حسب المشيئة الربانية، وماذا يكون من معاملته للذين تتصل بهم حياته من مختلف الجهات» [1] .
والتقوى بهذا التصور الكامل تعتبر من أقوى المفعلات للنفس المتوثبة وهي من بعد ميزان حساس دقيق في التعامل مع الله ومع البشر.
تيسير التقوى
والتقوى تهب صاحبها التيسير في حياته كله، قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا} [الطلاق: 4] .
«واليسر في الأمر غاية ما يرجوه إنسان، وإنها لنعمة كبرى أن يجعل الله الأمور ميسرة لعبد من عباده؛ فلا عنت ولا مشقة ولا عسر ولا ضيقة، يأخذ الأمور بيسر في شعوره وتقديره، وينالها بيسر في حركته وعمله، ويرضاها بيسر في حصيلتها ونتيجتها، ويعيش من هذا في يسر رخي ندي حتى يلقى الله» [2] .
ولأجل هذا اليسر في حياة معقدة كانت التقوى إحدى مطالب السمو لمن يريد أن يحقق خلافة الله في أرضه ويعمرها بذكره سبحانه.
المطلب السادس
الشعور بالمسؤولية
(1) الأسس الأخلاقية ص: 28.
(2) الظلال ج6ص: 3602.