[-- المعرفة الثانية: أن التكفير سمعي محض ، لا مدخل للعقل فيه ، وذلك من وجهين:
الوجه الأول: أنه لا يكفر بمخالفة الأدلة العقلية ، وإن كانت ضرورية . فلو قال بعض المُجّان وأهل الخلاعة: إن الكل أقل من البعض ، لكانت هذه كذبة ، ولم يحكم أحد من المسلمين بردته ، مع أنه خالف ما هو معلوم بالضرورة من العقل ، وما لا يوجد في العلوم العقلية أوضح منه .
ولو قال: إن صلاة الظهر أقل من صلاة الفجر ، لكفر بإجماع المسلمين ، فإنه خالف العقل والسمع معًا . مثل قول القرامطة: إن المؤثر في وجود الموجودات يجب أن لا يكون موجودًا ولا معدومًا ، كفر لأجل مخالفة السمع فقط ، إذ لو قال بمثل هذه الضلالة فيما لم يرد به السمع لما كفر ، مثل الكلام في الماهيات الكليات الذهنيات ، كماهية الإنسان التي في الذهن .
... إلى أن قال ...
الوجه الثاني: أن الدليل على الكفر والفسق لا يكون إلا سمعيًا قطعيًا ، ولا نزاع في ذلك ، وإنما النزاع في بعض الأدلة على التكفير ، هل هو قاطع أم لا ؟ وأنت إذا عرفت معنى القاطع ، عرفت الحق في تلك الأدلة المعينة .
واعلم أن القطع لا بد أن يكون من جهة ثبوت النص الشرعي في نفسه ، ومن جهة وضوح معناه .
فأما ثبوته ، فلا طريق إليه إلا التواتر الضروري ، كما تقدم .
وأما وضوح معناه ، فهل يمكن أن يكون قطعيًا ، ولا يكون ضروريًا ؟
... إلى أن قال ...
فإذا تقرر هذا ، ثبت أن الدليل القطعي على التكفير ليس هو إلا العلم الضروري بأن هذا القول المعيّن كفر ، وهذا غير موجود إلا في مثل من قدمنا ذكره من القرامطة . ألا ترى أن من أوضح الألفاظ في هذا المعنى لفظ الكفر ، وقد جاء بمعنى كفر النعمة ، وحمله على ذلك كثير من العلماء في أحاديث كثيرة ، وجاء في كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - وصف النساء بالكفر ، قالوا: يا رسول الله ، يكفرن بالله ؟ قال: « لا ، يكفرن العشير » .. وهو الزوج . وجاء في الحديث إطلاق الكفر على النياحة والطعن في الأنساب ، والانتساب إلى غير الأب .