إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ ، كَحَالِ غَلَبَةِ هَؤُلَاءِ وَاسْتِيلَائِهِمْ ، وَكَوْنِ الْقُضَاةِ وَالْمُفْتِينَ وَالشُّهُودِ مِنْهُمْ ، فَفِي رَدِّ شَهَادَتِهِمْ وَأَحْكَامِهِمْ إذْ ذَاكَ فَسَادٌ كَثِيرٌ ، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ ، فَتُقْبَلُ لِلضَّرُورَةِ --]
وتأمل كيف أنه أخرج من إعذاره للجهلة من يقول بعدم حدوث العالم أو ينكر حشر الأجساد ، بما يفيد أنه لا يرى عذرًا لأحد ممن يعتقد بهذه الأقوال ، ويرى خروجه عن الإسلام ابتداء .. وهذا يدلّ على أنه لا يرى تخبّط الجهمية وغلاة المرجئة في معنى الإيمان ناقضًا لأصل الدين في نفس الأمر .
أما تكفير من قال بقول جهم في الإيمان ، فقد قال ابن تيمية - رحمه الله - في [مجموع الفتاوى: 7/508-509] :
[-- عَنْ الْجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ ذَكَرُوا أَنَّهُ قَالَ: الْإِيمَانُ مُجَرَّدُ مَعْرِفَةِ الْقَلْبِ ، وَإِنْ لَمْ يُقِرَّ بِلِسَانِهِ . وَاشْتَدَّ نَكِيرُهُمْ لِذَلِكَ ، حَتَّى أَطْلَقَ وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ ، وَأَحْمَد بْنُ حَنْبَلٍ ، وَغَيْرُهُمَا ، كُفْرَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ ؛ فَإِنَّهُ مِنْ أَقْوَالِ الْجَهْمِيَّة ؛ وَقَالُوا: إنَّ فِرْعَوْنَ وَإِبْلِيسَ وَأَبَا طَالِبٍ وَالْيَهُودَ وَأَمْثَالَهُمْ ؛ عُرِفُوا بِقُلُوبِهِمْ وَجَحَدُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ ؛ فَقَدْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ ؟! وَذَكَرُوا قَوْلَ اللَّهِ: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} ، وَقَوْلُهُ: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} ، وَقَوْلُهُ: {فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} . وَقَالُوا: إبْلِيسٌ لَمْ يُكَذِّبْ خَبَرًا ، وَلَمْ يَجْحَدْ ، فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَهُ بِلَا رَسُولٍ ، وَلَكِنْ عَصَى وَاسْتَكْبَرَ ؛ وَكَانَ كَافِرًا مِنْ غَيْرِ تَكْذِيبٍ فِي الْبَاطِنِ ، وَتَحْقِيقُ هَذَا مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ --]
وهناك روايات كثيرة عن السلف في تكفير الجهم بن صفوان لقوله في الإيمان .. وتأمل استدلال الأئمة بآيات تكفير فرعون واليهود وغيرهم في إثبات كفر الجهم بن صفوان ، بما يفيد أن كفره متعلق برد النصوص الشرعية الصريحة الواضحة المجمع عليها .
ويقول ابن تيمية - رحمه الله - في [مجموع الفتاوى: 7/188-189] :
[-- وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ خَطَأُ قَوْلِ جَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ وَمَنْ اتَّبَعَهُ ، حَيْثُ ظَنُّوا أَنَّ الْإِيمَانَ مُجَرَّدُ تَصْدِيقِ الْقَلْبِ وَعِلْمِهِ ، لَمْ يَجْعَلُوا أَعْمَالَ الْقَلْبِ مِنْ الْإِيمَانِ ، وَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الْإِنْسَانُ مُؤْمِنًا كَامِلَ الْإِيمَانِ بِقَلْبِهِ ، وَهُوَ مَعَ هَذَا يَسُبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَيُعَادِي اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَيُعَادِي أَوْلِيَاءَ اللَّهِ وَيُوَالِي أَعْدَاءَ اللَّهِ ، وَيَقْتُلُ الْأَنْبِيَاءَ ، وَيَهْدِمُ الْمَسَاجِدَ ، وَيُهِينُ الْمَصَاحِفَ ، وَيُكْرِمُ الْكُفَّارَ غَايَةَ الْكَرَامَةِ ، وَيُهِينُ الْمُؤْمِنِينَ غَايَةَ الْإِهَانَةِ . قَالُوا: وَهَذِهِ كُلُّهَا مَعَاصٍ لَا تُنَافِي الْإِيمَانَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ ، بَلْ يَفْعَلُ هَذَا وَهُوَ فِي الْبَاطِنِ عِنْدَ اللَّهِ مُؤْمِنٌ . قَالُوا: وَإِنَّمَا ثَبَتَ لَهُ فِي الدُّنْيَا أَحْكَامُ الْكُفَّارِ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَقْوَالَ أَمَارَةٌ عَلَى الْكُفْرِ لِيُحْكَمَ بِالظَّاهِرِ