وقال الخطابي: أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج - مع ضلالتهم - فرقة من فرق المسلمين ، وأجازوا مناكحتهم وأكل ذبائحهم ، وأنهم لا يكفرون ما داموا متمسكين بأصل الإسلام --]
تأمل كيف جعل بدعتهم لا تنقض أصل الدين ابتداء ، وأخرجها منه .
وقد جعل ابن القيم - رحمه الله - جهلة الجهمية وغلاة المرجئة مؤمنين غير كافرين .. ودلّ هذا على أنه يرى أن كفرهم إنما هو لرد النصوص ، وليس لنقضهم لأصل الدين في نفس الأمر .
قال في [ الطرق الحكمية: 1/238] :
[-- مَنْ كَفَرَ بِمَذْهَبِهِ ؛ كَمَنْ يُنْكِرُ حُدُوثَ الْعَالَمِ ، وَحَشْرَ الْأَجْسَادِ ، وَعِلْمَ الرَّبِّ تَعَالَى بِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ ، وَأَنَّهُ فَاعِلٌ بِمَشِيئَتِهِ وَإِرَادَتِهِ ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ ، لِأَنَّهُ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ .
فَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ الْمُوَافِقُونَ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ ، وَلَكِنَّهُمْ مُخَالِفُونَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ - كَالرَّافِضَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَغُلَاةِ الْمُرْجِئَةِ وَنَحْوِهِمْ - فَهَؤُلَاءِ أَقْسَامٌ:
أَحَدُهَا: الْجَاهِلُ الْمُقَلِّدُ الَّذِي لَا بَصِيرَةَ لَهُ ، فَهَذَا لَا يُكَفَّرُ وَلَا يُفَسَّقُ ، وَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ ، إذَا لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى تَعَلُّمِ الْهُدَى ، وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا ، فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ، وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا .
الْقِسْمُ الثَّانِي: الْمُتَمَكِّنُ مِنْ السُّؤَالِ وَطَلَبِ الْهِدَايَةِ ، وَمَعْرِفَةِ الْحَقِّ ، وَلَكِنْ يَتْرُكُ ذَلِكَ اشْتِغَالًا بِدُنْيَاهُ وَرِيَاسَتِهِ ، وَلَذَّتِهِ وَمَعَاشِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَهَذَا مُفَرِّطٌ مُسْتَحِقٌّ لِلْوَعِيدِ ، آثِمٌ بِتَرْكِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ تَقْوَى اللَّهِ بِحَسَبِ اسْتِطَاعَتِهِ ، فَهَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ أَمْثَالِهِ مِنْ تَارِكِي بَعْضِ الْوَاجِبَاتُ ، فَإِنْ غَلَبَ مَا فِيهِ مِنْ الْبِدْعَةِ وَالْهَوَى عَلَى مَا فِيهِ مِنْ السُّنَّةِ وَالْهُدَى: رُدَّتْ شَهَادَتُهُ ، وَإِنْ غَلَبَ مَا فِيهِ مِنْ السُّنَّةِ وَالْهُدَى: قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ .
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَسْأَلَ وَيَطْلُبَ ، وَيَتَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى ، وَيَتْرُكَهُ تَقْلِيدًا وَتَعَصُّبًا ، أَوْ بُغْضًا أَوْ مُعَادَاةً لِأَصْحَابِهِ ، فَهَذَا أَقَلُّ دَرَجَاتِهِ: أَنْ يَكُونَ فَاسِقًا ، وَتَكْفِيرُهُ مَحَلُّ اجْتِهَادٍ وَتَفْصِيلٍ ، فَإِنْ كَانَ مُعْلِنًا دَاعِيَةً: رُدَّتْ شَهَادَتُهُ وَفَتَاوِيهِ وَأَحْكَامُهُ ، مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَمْ تُقْبَلْ لَهُ شَهَادَةٌ ، وَلَا فَتْوَى وَلَا حُكْمَ ،