أحدها: أن يقع بعد الحق فيصح بالإجماع؛ لأنه دين ثابت تدعو الحاجة إلى أخذ الوثيقة به فجاز أخذها به كالضمان.
ولأن الله قال: {وَإن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} [البقرة:283] فجعله بدلًا عن الكتابة. فيكون في محلها ومحلها بعد وجوب الحق. وفي الآية ما يدل على ذلك وهو قوله: {إذَا تَدَايَنتُم بَدَيْنٍ إلى أَجَلٍ مُسَمًى فَاكْتُبُوه} [البقرة:282] فجعله جزاء للمداينة مذكورًا بعدها بفاء التعقيب.
الحال الثاني: أن يقع الرهن مع العقد الموجب للدين فيقول: بعتك ثوبي هذا بعشرة إلى شهر ترهنني بها عبدك. فيقول: قبلت ذلك. فيصح أيضًا. وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي؛ لأن الحاجة داعية إلى ثبوته. فإنه لو لم يعقده مع ثبوت الحق ويشترطه فيه لم يتمكن من إلزام المشتري عقده، وكانت الخيرة إلى المشتري. والظاهر: أنه لا يبذله فيفوت الوثيقة بالحق.
الحال الثالث: أن يرهنه قبل الحق، فيقول: رهنتك عبدي هذا بعشرة تقرضنيها. فلا يصح في ظاهر المذهب. وهو اختيار أبي بكر والقاضي. وذكر القاضي: أن أحمد نص عليه في رواية ابن منصور. وهو مذهب الشافعي. واختار أبو الخطاب: أنه يصح. فمتى قال: رهنتك ثوبي هذا بعشرة تقرضنيها غدًا وسلمه إليه، ثم أقرضه الدراهم لزم الرهن، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك؛ لأنه وثيقة بحق. فجاز عقدها قبل وجوبه كالضمان، أو فجاز انعقادها على شيء يحدث في المستقبل كضمان الدرك.
والأول أصح؛ لأنه وثيقة بحق لا تلزم قبله. فلا تصح قبله كالشهادة.
ولأن الرهن تابع للحق فلا يسبقه؛ كالشهادة. والثمن لا يتقدم البيع.
وأما الضمان فيحتمل أن يمنع صحته، وإن سلمناه فالفرق بينهما: أن الضمان التزام مال تبرعًا بالقول، فجاز من غير حق ثابت؛ كالنذر بخلاف الرهن.
مسألة: قال أبو القاسم رحمه الله: (ولا يصح الرهن، إلا أن يكون مقبوضًا من جائز الأمر) .
يعني: لا يلزم الرهن إلا بالقبض. وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي.