،وعن أخبارهم وأحكامهم وسيرتهم، ويطلب منهم مكاتبته والرجوع إليه في شؤون القضاء المعضلة، دون أن يتدخل الحاكم أو الوالي في أعمالهم، ووضع أول دستور لسلوك القاضي في رسالته لأبي موسى الأشعري، ورسالته لأبي عبيد (3) ·
ولما ظهر تعدد السلطة في الولايات، وتقسيم الاختصاص بين الوالي والقاضي، اتجه بعض الولاة إلى اعتبار القاضي تابعًا له، وخاضعًا لتوجيهاته، وله حق الرقابة والإشراف والطعن بالأحكام، ورفض تنفيذها، فأصر القضاة على استقلالهم عن الولاة، وحصل سوء تفاهم في بعض الأقطار، حتى وصل الأمر إلى الخليفة العادل عمر بن الخطاب في المدينة، فأكد استقلال القضاة عن الولاة، وأن الولاة والأمراء لاسلطة لهم، ولا سلطان على القضاة، وفصل بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية لتحقيق العدل الكامل، والتجرد التام، والموضوعية في الدعوى والإثبات، وإصدار الأحكام وتنفيذها ·
وأكد الخليفة عمر فصل القضاء في عدة مناسبات، ونكتفي بذكر قصته مع معاوية وعبادة بن الصامت رضي الله عنهما، لنرى هذا التأكيد، وأن عمر حجب سلطة معاوية - الوالي والحاكم - عن أعمال ونفوذ عبادة - القاضي في فلسطين - وجعل علاقة القاضي مرتبطة بالخليفة مباشرة ·
قال الأوزاعي:"أول من تولى قضاء فلسطين عبادة بن الصامت، وكان معاوية قد خالفه في شيء أنكره عليه عبادة في الصرف، فأغلظ له معاوية في القول، فقال له عبادة: لا أساكنك بأرض واحدة أبدًا، ورحل إلى المدينة، فقال له عمر: ما أقدمك؟ فأخبره، فقال: ارجع إلى مكانك، فقبح الله أرضًا لست فيها، ولا أمثالك، وكتب إلى معاوية: لا إمرة لك على عبادة (1) ·"
وبذلك تحقق فصل السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية، وصار للقضاء سلطة وولاية تتبع مباشرة الخليفة، وتتلقى منه التوجيه والتعيين، والإرشاد والإشراف والمراقبة، واستمر الأمر كذلك حتى ظهرت المرحلة التالية ·
المرحلة الثالثة:
منذ عهد هارون الرشيد وحتى العصر الحاضر، وفي هذه المرحلة استقل القضاء كاملًا عن بقية السلطات، وحتى عن الخليفة، بعد أن أحدث هارون الرشيد منصب قاضي القضاة (2) ، وأسند هذا المنصب إلى القاضي أبي يوسف، كما سنشرحه في الفقرة التالية ·
استقلال القضاء:
ظهر في العصر العباسي منصب جديد باسم"قاضي القضاة"وهو بمثابة وزير العدل في وقتنا الحاضر، وأول من تولى هذا المنصب الجليل القاضي أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم، صاحب أبي حنيفة، وصاحب كتاب"الخراج"وذلك في عهد هارون الرشيد الذي كان يجل القاضي أبا يوسف، ويحترمه ·
وأول ماظهر هذا المنصب كان في بغداد، ولا يطلق إلا على قاضي بغداد حاضرة الدولة الإسلامية، وعاصمة الخلافة العباسية ·
فقد عين الرشيد أبا يوسف قاضيًا للقضاة، وأسند له مهمة الإشراف على القضاء والقضاة في سائر أقطار الخلافة العباسية، وتنازل له نهائيًا عن التدخل في شؤون القضاء، فأصبح القضاء مستقلًا استقلالًا كاملًا حتى نهاية الخلافة الإسلامية ·
وأصبح لقاضي القضاة الرئاسة على سائر القضاة في الدولة والأقاليم المختلفة، ويتولى الإشراف عليهم، وتنظيم أمورهم، وتعيينهم وعزلهم، وكان يرشح من يراه من أهل الصلاح والعلم لهذا لمنصب، ويستصدر له أمرًا من الخليفة بتقليده القضاء (1) ·
وصار القضاة في العاصمة وسائر الأقاليم يتبعون حقيقة قاضي القضاة ببغداد، الذي يتصل