المبادىء الأساسية في التشريع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري والمدني، وأنها لم تكن مجرد مبادىء روحية فردية، وأنها برزت إلى الوجود، وأقامت مجتمعًا ودولة في المدينة المنورة، والجزيرة العربية، ثم في العالم (2) ·
والواقع أنه لا قيام للدولة بدون القضاء والعدل، ولا وجود لتنظيم قضائي بدون دولة، ولم نعرف في التاريخ وجود تنظيم قضائي بدون دولة أو قوة تحميه، ولم نسمع وجود تنظيم قضائي في المنفى، فالقضاء جزء من الدولة، والدولة لا تعيش، ولا تستكمل أسسها إلا بالقضاء، فالتلازم بينهما ثابت، وإن القضاء أحد السلطات في الدولة، وأنها سلطة مستقلة، وهذا يقتضي منا البحث في انفصال السلطة القضائية عن بقية السلطات، مؤكدين أن القضاء في الإسلام هو الرقيب الدقيق، والمشرف الحازم والأمين على تطبيق الأحكام الشرعية، وتنفيذ أحكام الدين على جميع الأفراد، سواء كانوا رؤساء أم مرؤوسين، حكامًا أم رعية، وبالتالي فإن القضاء يقف أمام أصحاب النفوذ أو القوة والسلطة لمنعهم من الاستبداد، أو الخروج على الشريعة والأحكام، ويحجر عليهم استغلال السلطة والسطوة والقوة لمصالحهم الشخصية، أو لمآربهم الذاتية، أو لشذوذهم الفكري، لتبقى كلمة الله هي العليا، وشريعة الله هي السائدة، لتحقيق العدل والأمن والأمان لجميع الناس ·
الفصل بين السلطة القضائية وبقية السلطات:
عرف الفقهاء المسلمون القضاء - كما سبق - بأنه: الفصل بين الناس في الخصومات، حسمًا للتداعي، وقطعًا للنزاع، بالأحكام الشرعية المتلقاة من الكتاب والسنة (1) ·
وقد مرت السلطة القضائية في التاريخ الإسلامي بثلاث مراحل:
المرحلة الأولى:
في العهد النبوي، وخلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وجزء من خلافة عمر بن الخطاب، وكان القضاء مرتبطًا بالسلطات الأخرى في الدولة الإسلامية، وقد رأينا - قبل قليل - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على رئاسة الدولة، ويتولى هذا العمل القضائي الجليل في المدينة المنورة، وأرسل عددًا من أصحابه إلى الولايات الإسلامية، وخولهم جميع السلطات في تبليغ الإسلام، وحفظ الأمن والنظام، ورعاية الشؤون الدينية، وإدارة البلاد، وتولي القضاء، وقد يرسل- عليه الصلاة والسلام - شخصين أو ثلاثة إلى قطر، بشكل قيادة جماعية، ويوزع الأعمال بينهم والاختصاصات، واستمر الأمر على هذا المنوال طوال فترة الرسالة النبوية في المدينة، وفي خلافة أبي بكر الصديق، وجزء من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ·
المرحلة الثانية:
في عهد عمر بن الخطاب ومن بعده، حتى عهد هارون الرشيد في الخلافة العباسية، وفي هذه الأثناء انتشر الإسلام في أطراف الجزيرة، وفتحت البلاد، وكثرت أعمال الولاة في الولايات الكبيرة، واقتضى الأمر أن يوفر الخليفة جهده للأمور الخارجية وشؤون الأقطار، وأن يتفرغ الولاة للجهاد والإدارة، فأصدر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمره بفصل أعمال القضاة عن أعمال الولاة، وعين القضاة في عاصمة الدولة، وفي المدن الإسلامية، فولى أبا الدرداء قضاء المدينة، وشريح بن الحارث قضاء الكوفة، وأبا موسى الأشعري قضاء البصرة، وعثمان بن أبي العاص قضاء مصر، وعين للأمور البسيطة قاضيًا خاصًا، وقال له: رد عني الناس في الدرهم والدرهمين" (1) ، وعين عبادة بن الصامت قضاء فلسطين···، وهكذا في بقية الأقطار (2) ·"
وجعل عمر سلطة القضاء تابعة له مباشرة، وتشدد في اختيار القضاة، وكان يختارهم بنفسه، أو يفوض الأمر إلى الوالي، وجعل القضاة مسؤولين أمامه، وصار يراسل القضاة، ويسأل عنهم