فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 31

وقد فطن المسلمون إلى أهمية القضاء والعدل، نظريًا وعمليًا، فقال أبوبكر الصديق رضي الله عنه: (الضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له، والقوي فيكم ضعيف عندي، حتى آخذ الحق منه، إن شاء الله) (6) ·

وقال عمير بن سعد رضي الله عنه - والي حمص:"مايزال الإسلام منيعًا ما اشتد السلطان، وليس شدة السلطان قتلًا بالسيف وضربًا بالسوط، ولكن قضاء بالعدل وأخذًا بالحق" (7) ·

وقال ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: (إن الله أرسل رسله، وأنزل كتبه، ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسموات، فإذا ظهرت أمارات العدل، وأسفر وجهه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه) (1) ·

وقال القاضي ابن فرحون المالكي:"علم القضاء من أجل العلوم قدرًا، وأعزها مكانًا، وأشرفها ذكرًا، لأنه مقام عليّ، ومنصب نبوي، به الدماء تعصم وتسفح، والأبضاع تحرم وتنكح، والأموال يثبت ملكها ويسلب، والمعاملات يعلم ما يجوز منها ويحرم ويكره ويندب" (2) ، ثم يقول:"ولاغرابة في امتياز علم القضاء عن فقه فروع المذهب، لأن علم القضاء يفتقر إلى معرفة أحكام تجري مجرى المقدمات بين يدي العلم بأحكام الوقائع والجزئيات" (3) ·

ويبين العلامة النباهي المالقي أهمية القضاء، وأنه أعظم مؤسسات الدولة، وأهم الخطط فيها، فيقول:"وخطة القضاء في نفسها عند الكافة من أسنى الخطط، فإن الله تعالى قد رفع درجة الحكام، وجعل إليهم تصريف أمور الأنام، يحكمون في الدماء والأبضاع والأموال، والحلال والحرام، وتلك خطة الأنبياء ومن بعدهم من الخلفاء، فلا شرف في الدنيا بعد الخلافة أشرف من القضاء" (4) ، وينقل عمن سبقه، فيقول:"خطة القضاء من أعظم الخطط قدرًا، وأجلها خطرًا، لاسيما إذا اجتمعت إليها الصلاة، وعلى القاضي مدار الأحكام، وإليه النظر في جميع وجوه القضاء" (5) ·

التنظيم القضائي:

رافق القضاء الإنسانية منذ مهدها، وسيظل معها إلى اللحد، كما كان القضاء من مهمات الأنبياء، وأعمال الرسل عليهم الصلاة والسلام، واعتنى به الخلفاء والولاة والأمراء، والأئمة، والفقهاء والقضاة، وتولاه المصلحون والوجهاء الذين يقبلون مناصب الرئاسة والزعامة والسلطة ·

والتنظيم القضائي في الإسلام عبارة عن مجموعة القواعد والأحكام التي توصل إلى حماية الحقوق العامة، وفصل الخصومات، وقطع المنازعات، وإصدار الأحكام وتنفيذها، وما يحتاج إليه من وسائل ووسائط وأجهزة وهيئات وعناصر، وهو موضوع عظيم اهتم به الفقهاء المسلمون اهتمامًا كبيرًا، وأولوه بالعناية والدراسة، وعرضوه في جميع كتب الفقه الكبيرة والصغيرة، المطولة والمختصرة، ثم أفرده كثير منهم بالتصنيف والتأليف، وخصوه بعنوان"أدب القضاء"أو"أدب التقاضي"أو"آداب الحكام" (1) ·

وشارك القضاة المسلمون في مختلف العصور في بناء صرح الفقه عامة، وأحكام القضاء، والتنظيم القضائي خاصة، وكان القضاة باستمرار يرفدون الفقه والفقهاء بمعين لاينضب من الاجتهادات والقواعد والضوابط التي تنبع من التطبيق العملي، والواقع القضائي، وما يلاحظونه بالممارسة والفراسة، ويستمدون أسسه وجذوره من مقاصد الشريعة ونصوصها المحفوظة، حتى صارت جهود القضاة في التصنيف والتأليف والشروح تشكل شطر التراث الفقهي في مختلف المذاهب، وكان الدافع إلى ذلك حماية الحقوق، والفصل في المنازعات، والصمود أمام الباطل، والإصرار على الحق، لايخافون في الله لومة لائم، مع كل ما يتعرض له القاضي أحيانًا - في سبيل ذلك - من عزل، وإهانة، ومضايقة، واضطهاد، وسجن، ونفي، وقتل (2) ·

ونظمت الدولة الإسلامية في مختلف العصور والأماكن القضاء أحسن تنظيم، وكان القضاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت