عليها، ومنع الاعتداء عليها، ومعاقبة من يسلبها (3) ·
وهذا المؤيد للأحكام مخول إلى السلطة التي يتمتع بها صاحب الولاية، أو القيم على إقامة الشرع، وقد منحها ربنا عز وجل إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم باعتباره رئيسًا للدولة، وقاضيًا فيها، فقال تعالى: إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق، لتحكم بين الناس بما أراك الله (4) ، وقال تعالى: وأن احكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم (5) ، ثم انتقلت هذه السلطة إلى خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن بعده، وتركزت بعبارة أدق بالسلطة القضائية التي تجمع بين فقه العلماء، وعقل الحكماء، ونفوذ الحاكم، الذي يستمد منه القاضي القوة والسلطة، لكونه نائبًا عنه ·
وهكذا كلف الله تعالى الدولة، الممثلة بسلطتها القضائية، ونظامها القضائي، بحماية الحقوق، والحفاظ عليها، والقاضي هو الرقيب اليقظ، والحارس الأمين، لتطبيق الأحكام، وحفظ الحقوق، وردها إلى أصحابها، ومنع العدوان والاعتداء، فيقيم العدل، وينفذ شريعة السماء التي نزلت لإنقاذ الناس من الظلم والظلام والظلمات، ويطبق حدود الله تعالى، قال عز وجل: لقد أرسلنا رسلنا بالبينات، وأنزلنا معهم الكتاب والميزان، ليقوم الناس بالقسط (1) وقال تعالى: وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، إن الله نعما يعظكم به (2) وقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله، شهداء بالقسط، ولايجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى، واتقوا الله، إن الله خبير بما تعملون (3) ·
فالقضاء ركن من أركان الدولة، وجزء مهم من مقومات المجتمع، وتقع على مسؤوليته حماية الأنفس والأرواح والأموال والأعراض والحقوق، ويؤمن الطمأنينة والسلام في المجتمع ·
والقضاء عند الأمم رمز لسيادتها واستقلالها، والأمة التي لاقضاء فيها لاحق فيها، وتاريخ القضاء في كل أمة عنوان على مجدها، ودلالة على تطور العقل فيها، ودرجة التفكير التي وصلت إليها (4) ·
أهداف القضاء:
ويظهر مماسبق أن الهدف الذي وجد من أجله القضاء في الإسلام، والمقصد الذي يسعى إليه، هو تحقيق العدل، وإقامة القسط، وحفظ الحقوق، واستتباب الأمن، والمحافظة على الأنفس والأموال، ومنع الظلم، وإقامة الحدود والأحكام، والأخذ على يد الجناة والمجرمين، ومعاقبتهم على ماجنت أيديهم، بهدف منعهم من العودة إلى مثل هذا العمل الممنوع، وزجر غيرهم من الإقدام على مثل ذلك، فالعاقل من اتعظ بغيره ·
كما وجد القضاء للحفاظ على حقوق الآخرين، ومنع الاعتداء عليها، وتأمين الحماية لها، وضمان ردها إلى أصحابها إذا سلبت منهم عدوانًا وظلمًا، أو تعويضهم عنها ماديًا أو معنويًا ·
ويهدف القضاء إلى إقامة العدل بين الناس، فقراء أم أغنياء، رجالًا أم نساءً، مواطنين أم أصحاب سلطة، مسلمين أم غير مسلمين، كما نصت على ذلك الآيات السابقة ·
لأن العدل قامت به السموات والأرض، وهو أساس العمران، ولأن القضاء أفضل مظهر يتمثل به العدل الذي جعله أرسطو"قوام العالم"وهو أساس الملك، وأقوى دعامة لاستتباب الأمن، واستقرار النظام، ورقي المجتمع، وتقدم الأمة ·
وإن القضاء والعدل يدلان على أشكال الدول والحكومات، ويظهران مدى استقرار الأشخاص في الحكم، ونظرتهم إلى الأفراد والأمة والإنسان ·
يقول الثعالبي:"بالرأي تصلح الرعية، وبالعدل تملك البرية، من عدل في سلطانه استغنى عن أعوانه، من مال إلى الحق مال إليه الخلق، إذا رعيت فاعدل، فالعدل يصلح الرعية، وإن ظلم"