فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 31

ذلك، كما سبق، ليعيش الناس في سلام وطمأنينة، وأمن وتعاون ومحبة ·

2 -أن الهدف السابق يتحقق ويتم بتطبيق أحكام الله تعالى التي أنزلها في الكتاب والسنة، وتستفاد بالنص أو بالاجتهاد، وبالعبارة أو بما تشير إليه النصوص من مصادر التشريع التي تبين حكم الله تعالى، وتقيم شرعه لإصلاح الفرد والمجتمع، تنفيذًا لقوله تعالى: فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لايجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت، ويسلموا تسليمًا (2) ·

ولكن المتأمل في هذه التعريفات يجدها قاصرة على القضاء العادي العام، ولا تشمل قضاء المظالم، ولا قضاء الحسبة اللذين يهدفان إلى حفظ الحقوق، وحماية الأمن، وإقامة العدالة، وتطبيق الشريعة الغراء، والالتزام بالأحكام الشرعية في العقيدة والأخلاق، والعبادات والمعاملات، ولو لم توجد خصومة أو تخاصم، أو اختلاف ·

ولذلك نقدم تعريفًا شاملًا ومختصرًا للقضاء عامة، وأنه:"سلطة الفصل بين المتخاصمين، وحماية الحقوق العامة، بالأحكام الشرعية" (3) ·

فالقضاء سلطة ملزمة للفصل بين الخصوم لحماية الحقوق، وتطبيق الشريعة، بالالتزام بالأحكام الشرعية، وإلزام الناس بها، ومنع مايضر الفرد والمجتمع، حكامًا، أم موظفين، أم مواطنين عاديين، ويتعاون القضاء العادي، وقضاء المظالم، وقضاء الحسبة على تحقيق ذلك ·

أهمية القضاء:

إن علم القضاء - نظريًا وعمليًا - من أَجَلِّ العلوم قدرًا، وأعزها مكانة، وأشرفها مركزًا، لأنه يحفظ الحقوق والأنفس، ويبين الحلال والحرام، وهو من وظائف الأنبياء والمرسلين (1) ، قال تعالى: يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق، ولا تتبع الهوى، فيضلك عن سبيل الله (2) ، وقال تعالى: وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط، إن الله يحب المقسطين (3) ·

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله لايقدس أمة لا يؤخذ للضعيف فيهم حقه) وفي لفظ: (كيف تقدس أمة لايؤخذ لضعيفهم حقه من شديدهم) (4) ، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم منصب القضاء من النعم التي يباح الحسد عليها، فقال عليه الصلاة والسلام: (لاحسد إلا في اثنين: رجل آتاه الله مالًا فسلطه على هلكته في الحق، وآخر آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها، ويعمل بها) (5) ، والأحاديث في ذلك كثيرة ·

قال الإمام أحمد:"لابد للناس من حاكم، أتذهب حقوق الناس؟" (6) ·

وإن الأحكام - سماوية كانت أم وضعية - تنقسم إلى قسمين، القسم الأول: أحكام تخول الأفراد الحقوق التي يتمتعون بها، والقسم الثاني: أحكام تؤيد هذه الحقوق، وتضمن لها التنفيذ، وهذان القسمان متلازمان، فإذا فقد أحدهما فقد الآخر، وإن التتبع والاستقراء يدلان على هذا التلازم بين الحق ومؤيده في الجملة، وأنه لافائدة من منح الحقوق والنص عليها إذا لم تطبق فعلًا، ويتمتع بها الأفراد والجماعات، وتتوافر لها الحماية والتطبيق والتنفيذ، سواء أكان ذلك بالرغبة أم بالرهبة، بالعقيدة أم بالقول (1) ·

يقول المفكر إهرنج، أحد العلماء الألمان:"الحق بدون قوة ملزمة كلمة فارغة لامعنى لها" (2) ·

ويعبر عن ذلك أمير الشعراء أحمد شوقي فيقول:

وترى الحق عزيزًا في القنا ... هينًا في العزل المستضعفينا

سنن كانت، ونظم لم تزل ... وفساد فوق باع المصلحينا

وإن الشريعة الإسلامية الغراء وضعت الأحكام الرشيدة للبشرية، ومنحت الأفراد جميع الحقوق التي يتمتعون بها، ثم رسمت لهم الطريق لممارستها، وأرشدتهم إلى أقوم السبل لرعايتها والحفاظ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت