بالشرطة، ولا مانع من إشراف قاضي التنفيذ على ذلك، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في قضائه بالدين لكعب بن مالك على ابن أبي حدرد، فقال له:"قم فاقضه" (1) ·
ويشترط في تنفيذ الأحكام القضائية عدة شروط، وترتبط بها عدة إجراءات خاصة، وآداب جمة، منها:
1 -أن يتم تنفيذ الأحكام الجنائية، والعقوبات البدنية عن طريق الدولة حصرًا، وتحت إشرافها ورقابتها، أما الأحكام غير الجنائية فيمكن للمحكوم عليه أن ينفذها طوعًا واختيارًا، وإلا تولت الدولة القيام بذلك، كما سبق في حديث العسيف، وأحاديث رجم ماعز، والقضاء في جناية قتل اليهودي الذي رض رأس جارية بين حجرين (2) ·
2 -أن يتولى القاضي بنفسه الإشراف على تنفيذ الحكم، أو ينيط التنفيذ إلى دائرة التنفيذ القضائية، أو قاضي التنفيذ، قال ابن فرحون المالكي:"وهو (أي تنفيذ الحكم) على قسمين: تنفيذ حكم نفسه، وتنفيذ حكم غيره ···" (3) ·
3 -اشترط الفقهاء أن يتم تنفيذ الحدود بحضور الإمام (الحاكم الأعلى) أو من ينوب عنه، لتتم العلانية في التنفيذ، وأن يتم الرجم والجلد على رؤوس الأشهاد، ليحقق الحكم أهدافه كاملة (4) ، لقوله تعالى: وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين (5) ، وهو ما حدث في حديث العسيف، ورجم ماعز ·
4 -التقيد في الحكم، فيشترط في التنفيذ أن يتم في إطار الحكم وحدوده فقط، وبشكل دقيق ومحدد، وكل زيادة أو نقص أو تغيير فيه يعتبر تجاوزًا للحق، وظلمًا وجورًا وعدوانًا، ولهذا اشترط الفقهاء أن يكون التنفيذ مع وجود القاضي، وإشراف الدولة ·
5 -أن يكون التنفيذ للحكم النهائي بعد أن يستكمل جميع شروطه الموضوعية، وإجراءاته القضائية، كانتهاء المواعيد والآجال والأعذار والتعجيز والنطق بالحق، والتوقيع على الحكم من الجهات المختصة، أو المحكمة العليا، أو قاضي القضاة، أو رئيس الدولة (1) ·
وهناك آداب كثيرة، وإجراءات متعددة لكل نوع من أنواع تنفيذ الأحكام القضائية، نحيل القارىء فيها إلى كتب سلفنا الصالح، وتراثنا الفقهي الزاخر (2) ·
الخاتمة
وتتضمن عرضًا لأهم ميزات القضاء في الفقه الإسلامي، لبيان الخلاصة السريعة لهذا النظام الفريد، ثم نذكر أهم التوصيات والمقترحات في ذلك لمستقبل مجتمعنا الإسلامي المعاصر ·
ميزات القضاء في الفقه الإسلامي:
يمتاز القضاء في الفقه الإسلامي، وفي تاريخه التطبيقي العملي في ظل الدولة الإسلامية بميزات كثيرة عن غيره من الأنظمة القضائية الأخرى (1) ، أهمها ما يلي:
1 -إن ميزات الشريعة الإسلامية عامة تنطبق على القضاء الإسلامي، لأنه جزء منها، ويتميز عن غيره بما تتميز به الأحكام الشرعية من الثبات والمرونة، والتطور والدقة، والشمول والموضوعية، وأنها خالدة وثابتة على مر الأجيال وتوالي الدهور ·
وأهم ميزات الشريعة أنها أحكام إلَهية ربانية سماوية، أنزلها رب العالمين لتحقيق السعادة الكاملة للبشرية في الدنيا والآخرة، وللفرد والمجتمع، وأنزلت لتحقيق سعادة الإنسان عامة، مهما كان وضعه وجنسه، دون أن تقيم أعمدة للتمييز الطبقي والعنصري والقومي والديني والطائفي (2) ·