فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 31

للقاضي إذا أراد القضاء على رجل أن يجلسه، ويبين له، ويقول له: احتججت عندي بكذا وجاءت البينة عليك بكذا، واحتج خصمك بكذا فرأيت الحكم عليك من قبل كذا، ليكون أطيب لنفس المحكوم عليه، وأبعد عن التهمة، وأحرى إن كان القاضي غفل من ذلك عن موضع فيه حجة أن يبينه" (1) ·"

وهذا ما اعتبرته القوانين الوضعية المعاصرة، وجعلت تسبيب الأحكام شرطًا أساسيًا لصحتها ·

رابعًا: التنفيذ:

أي تنفيذ الحكم القضائي الذي صدر عن القاضي، وتوافرت شروطه، واستنفد إجراءاته الكاملة، فيكون تنفيذ الأحكام القضائية هو الهدف الأخير من وجود القضاء والمحاكم، ورفع الدعوى والتحقيق فيها والإثبات، وإصدار الحكم من القاضي، كما سبق في رسالة عمر رضي الله عنه:"فإنه لا ينفع تكلم بحق لانفاذ له" (2) ، لأن المقصود الحقيقي أن يصل صاحب الحق إلى حقه، وأن يرفع الظلم والعدوان عن المظلوم، وأن ترد الحقوق إلى أصحابها، وأن تصان الأنظمة والأحكام، والحرمات والمقدسات، وأن يؤخذ على يد المجرم، ويمنع من الإجرام والاعتداء، وينزجر غيره عن مثل فعله، وأن يلتزم كل إنسان بماله وما عليه، وأن يحفظ الدماء والأعراض والأموال، وأن يتم تطبيق الشريعة الغراء على النهج السليم، وأن ينال المعتدي جزاءه العادل، ليكون ذلك ردعًا لغيره، وزجرًا له، وكل هذا لا يتحقق إلا عن طريق تنفيذ الأحكام التي يصدرها القضاة بعد الدعوى والبحث، والتحقيق والإثبات، ومعرفة حكم الله تعالى في الواقعة ·

وإن الخصومة أو الدعوى لا تنتهي بإصدار الحكم، بل لابد من تنفيذه بطريقة صحيحة، لما قد ينشأ من خلاف بين المتنازعين في التنفيذ، ولما قد يعترض التنفيذ من صعوبات جديدة، ومشاكل طارئة، وقد يقع في التنفيذ كثير من مجاوزة الحكم والحق، أو تقصير فيه، أو يساء استعماله، ويستغل لمقاصد أخرى، لذلك احتل التنفيذ هذه الأهمية ·

يقول ابن فرحون المالكي:"فالتنفيذ غير الثبوت والحكم، فالثبوت هو الرتبة الأولى، والحكم هو الرتبة الوسطى، والتنفيذ هو الرتبة الثالثة" (1) ·

وإذا لم ينفذ الحكم القضائي أصبح عبثًا، وفقد مسوغ وجوده، والحكمة من إنشائه، وأضحت الأحكام القضائية مجردة عن قوتها وهدفها ومفعولها، وأصبحت مجرد توصية واستشارات، وهذا ما حذر منه الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقوله"فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له"·

وإن القوة الملزمة في الأحكام القضائية هي أهم مايميزها عن الإفتاء والاستشارات، كما ذكرنا سابقًا، وإن عدم تنفيذ الحكم يفقد الدولة هيبتها، ويسود في المجتمع الفوضى، ويفقد الإنسان كرامته وإنسانيته ويتطلع إلى المنافذ التي توصله إلى حقه، إما بالقوة والبطش والثأر، وإما بالوسائل الدنيئة كالرشوة والتحايل، وهو ما يجري في شريعة الغاب، وينذر بانهيار الأمة والمجتمع (2) ·

وإن الحكم القضائي واجب التنفيذ وجوبًا كاملًا على القاضي الذي أصدره، وعلى الدولة التي تقف وراءه، لتمنحه القوة في القضاء، والإلزام في الأحكام، ويجب على جميع أجهزة الدولة أن تتعاون في تنفيذ الأحكام القضائية، وإلا تعرضت لخطر الإثم والظلم والإعراض عن حكم الله تعالى، وهذا خطر كبير وجسيم في الدنيا والآخرة، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث العسيف:"واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها"، فغدا عليها فاعترفت، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت" (3) ·"

وقد يقوم المحكوم عليه في الأحكام المالية والمدنية والشرعية بتنفيذ الحكم القضائي تلقائيًا من نفسه، وإلا طلب منه القاضي ذلك بشيء من الصرامة، وملوحًا بالتهديد، وإلا أرسل القاضي إلى أجهزة الدولة لتقوم بتنفيذ الحكم بالقوة والرهبة واستعمال السلطة، والاستعانة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت