بين الأفراد عندما قرر المبدأ الذي وصلت إليه البشرية في عصرها الحاضر:"البينة على المدعي، واليمين على من أنكر"، ونادى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعار الإثبات، وطبقه عمليًا لمنع الظلم، والوقوف أمام الظالم من التسلط على حقوق الناس، فأوجب البينة على المدعي وأناط الحكم بها، فإن عجز وجبت اليمين على المدعى عليه ·
وأقرت الشريعة وسائل كثيرة للإثبات، أهمها سبعة، وهي: الشهادة والإقرار، واليمين والكتابة، والقرائن وعلم القاضي (عند بعض الفقهاء والمذاهب) والخبرة والمعاينة، وتحت كل منها تفاصيل كثيرة، وفروع عديدة، ولكل منها أركان وشروط وأحكام مفصلة بينها الفقهاء، ولا مجال لعرضها هنا ·
ثالثًا: الحكم القضائي:
وهو فصل الخصومة، وحسم النزاع، بقول أو فعل يصدر عن القاضي، ومن في حكمه، بطريق الإلزام · وذلك أن ثبوت الحق أمام القاضي لا يعتبر غاية في ذاته، وإنما هو وسيلة إلى إصدار الحكم، بإعطاء الحق لصاحبه، وهذا هو القصد من الدعوى والإثبات، وهو الهدف والغرض والغاية التي وجد من أجلها القضاء، وهو معرفة صاحب الحق، وفصل النزاع في الخصومة، وهو المرحلة الأخيرة من مراحل الدعوى، بل هو أهم مرحلة في الدعوى، ولاقيمة لدعوى وإثبات إذا لم يصدر بعدهما حكم، ولاميزة للقضاء إذا لم يقترن بحكم ملزم، ولا فائدة من الاعتراف بالحقوق إذا لم تحمها الدولة، وتحافظ عليها وتردها إلى أصحابها ·
وحكم القاضي له أسس شرعية لإصداره، وله شروط عدة، أهمها (1) :
1 -أن تتقدمه دعوى صحيحة إذا كان الحق المتنازع فيه من حقوق العباد، أما حقوق الله تعالى، أو حقوق المجتمع، أو حقوق الأمة، أو النظام العام، فلا يشترط فيها تقديم دعوى، وإنما تتولى الدولة، أفرادًا أو جماعات، هيئات ومؤسسات، ومنها الشرطة والنيابة العامة، وقضاء الحسبة، والقضاء عامة، بالمحافظة على حقوق الله تعالى ومراقبتها، ومنع الاعتداء عليها، وتسمى فقهًا: دعوى الحسبة ·
2 -أن يكون الحكم بصيغة جازمة لإنهاء النزاع، وإلزام الخصم بالمحكوم به ·
3 -أن يكون الحكم واضحًا، بأن يبين فيه بشكل تفصيلي ودقيق اسم المحكوم له، والمحكوم عليه، والمحكوم به، دون لبس أو إبهام، مع أمور أخرى كذكر اسم المحكمة والقاضي وتاريخ الحكم ·
4 -أن يكون الحكم موافقًا للأحكام الشرعية، لأن القاضي مكلف ومعين للفصل بين المتنازعين بالأحكام الشرعية المتلقاة من مصادر الشريعة، كما سبق في تعريف القضاء، قال تعالى: وأن احكم بينهم بما أنزل الله، ولا تتبع أهواءهم (1) ، وقال تعالى: وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط (2) ، وقال تعالى: وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل (3) ، والعدل والقسط والحق هو ما نزله الله تعالى في شريعته ودينه، وماعداه فهو الظلم والجور والباطل، قال تعالى: فماذا بعد الحق إلا الضلال (4) ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه إلى اليمن قاضيًا: (كيف تقضي إن عرض عليك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد بسنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو· أي لا أقصر، فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضرب على صدره، وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله، لما يرضي الله ورسوله) (5) ·
5 -استحب بعض الفقهاء أن يبين القاضي أسباب الحكم ومستنده فيه، قال الإمام الشافعي:"وأحب"