فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 31

والتنفيذ (3) ·

وتنقسم الدعوى المدنية إلى دعوى الدين الذي يثبت في الذمة، ودعوى العين التي يكون محلها عينًا موجودة في الخارج، ولها جرم في الوجود، وتشغل حيزًا محدودًا في الكون، وتنقسم دعوى العين أيضًا إلى دعوى المنقول، ودعوى العقار، والثمرة من هذا التقسيم هو الاختلاف في تحديد شرط العلم بالمنقول عن العلم بالعقار، وتحديد المحكمة المختصة، وطبيعة الحكم، وكما تشمل الدعوى المدنية دعوى الحقوق الشرعية التي يكون محلها حقًا شرعيًا مجردًا دون أن يكون عينا أو دينًا، كالنسب والنكاح والحضانة، وتسمى اليوم الدعوى الشرعية، أو دعوى الأحوال الشخصية، كما تشمل الحقوق الشرعية الدعوى بالشفعة والوكالة والولاية والأهلية وعوارض الأهلية، وغير ذلك (1) ·

وإجراءات النظر في الدعوى تسير على مراحل، ولها قواعد محددة، أهمها: النظر في طلب الدعوى عند تقديمها للتأكد من صحتها ومدى انسجامها مع اختصاص المحكمة أو القاضي، ثم إحضار الخصمين، أو من يقوم مقامهما، ثم سماع أقوال الطرفين، وبعد ذلك ينتقل القاضي إلى الأساس الثاني"الإثبات"مع وجوب التزامه بآداب النظر في الدعوى، وهي كثيرة، أهمها: المساواة بين الخصمين، وعلنية المحاكمة، وحرية الدفاع، واعتدال حال القاضي، والمشاورة، وغيرها (2) ·

ثانيًا: الإثبات:

وهو إقامة الحجة والدليل أمام القاضي بالطرق التي حددتها الشريعة على حق أو واقعة تترتب عليها آثار (3) ·

فإذا سمع القاضي أقوال الخصوم، وميز بين المدعي والمدعى عليه، فإما أن يقر المدعى عليه بالحق المدعى به، وهنا يأمره القاضي بإبراء ذمته، وتنفيذ ما أقر به، وتسليم الحق للمدعي، وإن أنكر المدعى عليه طلب القاضي من المدعي الأدلة والحجج والبينات التي تثبت حقه ·

وذلك أن الحق والعدل الذي يريد القاضي إقامته وتحقيقه يتيه بين ادعاءات الخصوم، ولا بد من كشفه وإظهاره وبيانه للقاضي ليحكم به، وإلا ضاع الحق وذهب في متاهات الظلم والطغيان، وبين أيدي الطغاة، وأرجل الظالمين والباغين، وعلى المدعي أن يثبت حقه في مجلس القضاء، وإلا فقد، وذهب في أدراج الرياح، وأصبح هباء منثورًا، قال الشاعر:

والدعاوى إن لم يقيموا عليها ... بينات أصحابها أدعياء

ولا يستطيع القاضي أن يحكم بمجرد طلب المدعي وادعائه، لأنه قد يكون كاذبًا ومفتريًا أو واهمًا، وهذا ما حذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله:"لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على من أنكر"وفي رواية البيهقي:"البينة على المدعي واليمن على من أنكر" (1) ، وقال عليه الصلاة والسلام للمدعي:"شاهداك أو يمينه ···، ليس لك إلا ذلك" (2) ·

فلابد لحماية الحق من دليل وبينة تثبته وتظهره أمام القضاء، ولذا قيل: الدليل فدية الحق ·

وقد نظم الإسلام الإثبات، ونص على الحجج والبينات، وبذل سلفنا الصالح الجهد الكبير لدراسته وبحثه والتفريع عليه، ووضعوا للقاضي منارات يستضيء بها في إثبات الحق، وجاء القضاة في ظل الدولة الإسلامية فأكملوا البناء وزينوه وزخرفوه، حتى أصبح القضاء والإثبات نموذجًا ومثلًا رائعًا لمن ينشد الحق والعدل (3) ·

والشارع الحكيم أرسى أقدس مبدأ في تحقيق العدل، ومنع أصحاب الأهواء من الادعاءات الباطلة، وذلك بوجوب الإثبات أمام القاضي للفصل في القضية، وراعى المشرع الحق والمساواة والواقع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت