ولما مات المعتصم وولي الواثق فرض الإقامة الجبرية على الإمام أحمد، فلا يخرج حتى للصلاة، ولا يجتمع إليه أحد، حتى هلك الواثق، ثم جاء بعده المتوكل، فرفع المحنة، ونصر السنة، وقرّب أهلها.
لقد كان انتصار الإمام في تلك المحنة الرهيبة القاسية انتصارًا للتيار الأثري الملتزم بما كان عليه سلف هذه الأمة في جميع نواحي الاعتقاد، وليس في مسألة القرآن فحسب، فثبت الناس على ما هم عليه بفضل الله، ثم بفضل وجود القيادة التي تتحطم عندها أمواج البدعة، وهذا كان رد الإمام أحمد على المروزي حين طلب منه التقية فقال له: اخرج فانظر! قال: فخرجت فرأيت خلقًا لا يحصيهم إلا الله تعالى، والصحف في أيديهم والأقلام والمحابر، فقال لهم: أي شيءٍ تعملون؟ قالوا: ننظر ما يقول أحمد فنكتبه!
يقول الشيخ أحمد شاكر تعليقًا على موقف الإمام أحمد:
(أما أولو العزم من الأئمة الهداة، فإنهم يأخذون بالعزيمة، ويحتملون الأذى ويثبتون، وفي سبيل الله ما يلقون، ولو أنهم أخذوا بالتقية، واستساغوا الرخصة لضل الناس من ورائهم؛ يقتدون بهم ولا يعلمون أن هذه تقية، وقد أُتي المسلمون من ضعف علمائهم في مواقف الحق .. لا يجاملون الملوك