لذا ينبغي للمسلم أن يراجع نفسه كل فترة من الزمن و يحاول أن يتذكر ما هي الأشياء التي حصلت معه في الماضي وظنها آنذاك أنّها شرًّا وإذا بها مع مَرّ السنين الخير كله، ذلك يفيد الإنسان بزيادة ثقته بالله تعالى فإنَّ أكثر المعاصي والإرباكات إنما هي ناتجة عن عدم الثقة بالله.
8 -إقامة الشافعي في العراق ومصاحبته للإمام محمد بن الحسن الشيباني:
وبقي الشافعي في العراق بعد أن سيق إلى الخليفة العباسي , فتعرَّف على محمد بن الحسن ووطَّد صلته به وعاد وتفرغ للعلم وترك الدنيا والعمل فيها.
يقول الشافعي:"أخذتُ من محمد بن الحسن وقر بعير (أي حمل بعير) من سماعه عن أبي حنيفة، أي لو جمعتُ العلم الذي أخذته منه في كتب فإن هذه الكتب تبلغ حمل بعير وكل ما فيها ليس فيه شيء من عندي، كله أخذته سماعًا من محمد بن الحسن". انظروا إلى تواضع الشافعي الذي ما حال بينه و بين هذه الكلمة المكانة العالية التي تبوَّأها قد تقدَّم ربما على محمد بن الحسن وهو المجتهد المطلق ما قال في نفسه ماذا سيقول عني الناس لو سمعوا أني تلميذ محمد بن الحسن [1] , و هذا من باب ذكر فضل أهل الفضل, لبث الشافعي في العراق زهاء عامين عاد بعدها إلى مكة وأخذ يدرس في الحرم المكي، وهذه فترة ازدهار علمه.
منذ هذا العهد بدأ الشافعي يصب كل تفكيره ويعمل كل فهمه في تدوين الفقه, وأصوله أي بدأ في تدوين موازين الاجتهاد وأصول استنباط الأحكام من نصوص القرآن والسنَّة حتى تجتمع العقول المختلفة على هذه الموازين. فالقرآن والسنة كلٌ منهما مليء بالأحكام و لكن كيف نفهمهما؟ وما هي قواعد الفهم؟، ما هي قواعد الدلالة العربية التي على أساسها نستنبط الأحكام من القرآن ومن السنة؟ هذا ما بدأ يشغل بال الشافعي فوضع وخطط لهذا العلم و هو علم جديد لم يكن موجودًا من قبل هو"علم أصول الفقه".
9 -عقيدة الشافعي:
إنّ دين محمد دين عزيز ودين القول والفعل , فلا نقبل أن نتعلم العلم الشرعي الصحيح إلا ممن صحت عقيدته , وحسن عمله فالله عزّ وجل يقول (( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون, كبر مقتًا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) )الصف 2 - 3 , فمن الذنوب العظيمة أن يقول الإنسان مالا يفعل , أو أن يبتغي بعلمه غير الله أعاذنا وإياكم من ذلك , ويقول أحد التابعين سُفْيَانَ رضي الله عنه:"كانَ يُقالُ العُلَمَاءُ ثلاثَةٌ عالِمٌ باللَّهِ يخشى اللَّهَ ليسَ بعالِمٍ بأمرِ اللَّهِ، وعالِمٌ باللَّهِ عالِمٌ بأمْرِ اللَّهِ يَخْشَى اللَّهَ فذاكَ العالِمُ الكاملُ، وعالِمٌ بأمرِ اللَّهِ ليس بعالِمٍ باللَّهِ لا يخشى اللَّهَ فذلِكَ العالمُ الفاجِرُ". سنن الدرامي
و الذي يهمنا ويفيدنا نحن كطلاب علم وحق وحقيقة هو العالم الكامل الذي يتق الله ولديه من العلم ما يذهب به الجهل عن قلوبنا وعقولنا.
(1) الموسوعة الإسلامية المعاصرة عام 1998 - 1999