وكان قد وصل إلى قمة الشباب، فبحث له بعض القرشيّن عن عمل في اليمن بواسطة والي اليمن، فأُعطِيَ عملًا جيدًا في نجران.
إتهامه بخيانة الخلافة العباسية: في اليمن عظُمت ثروة الإمام الشافعي العلمية بالتعرف على فقه إمام مصر الليث بن سعد الذي كان تلامذته منتشرين هناك.
ولكن والي مدينة نجران تحفَّظ عليه فوشى إلى هارون الرشيد بشأنه و شأن عدد من الناس معه ,وكانت الخلافة العباسية آنذاك تحسب حسابًا للشيعة لاسيما العلويين - أي أسرة و ذرية سيدنا علي رضي الله عنه - ذلك لأنّ الخلافة العباسية قامت على سواعد الشيعة أي المتشيعين والمناصرين لعلي رضي الله تعالى عنه وأرضاه، إلا أنَّ العباسيين تنكروا لهم بعد قيام الخلافة.
لذا كانت الخلافة العباسية دائمًا تخشى من ثورة العلويين عليهم, وكان والي نجران قد اتَّهم الشافعي بأنه يحرِّض العلويين على الثورة, وسيق إلى هارون الرشيد مكبَّلًا بتهمة خيانة الدولة وكانت عقوبة هذه الخيانة القتل.
دخل الشافعي ثابت الفؤاد على الخليفة ينتظر الحكم عليه وهو يردد:"الله يا لطيف ... أسألك اللطف فيما جرت به المقادير", قال الشافعي للخليفة: السلام عليك يا أمير المؤمنين وبركاته (دون أن يلفظ و رحمة الله) . فردَّ عليه الرشيد: وعليك السلام ورحمة الله و بركاته، ثم أضاف فقال: بدأت بسنَّة لم تؤمر بإقامتها، ورددنا عليك فريضة قامت بذاتها ومن العجب أن تتكلم في مجلسي بغير أمري أو إذني.
فقال الشافعي: إنَّ الله تعالى قال:"وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم و ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا "النور55، وهو الذي إذا وعد وفَّى، فقد مكَّنك في أرضه و أمَّنني بعد خوفي ... حيث رددت عليَّ السلام بقولك وعليك رحمة الله، فقد شملتني رحمة الله بفضلك, فقال الرشيد: وما عذرك بعد أن ظهر أنَّ صاحبك - يعني الثائر العَلَوي - طغى علينا وبغى واتَّبعه الأرذلون وكنتَ أنت الرئيس عليهم؟ فقال الشافعي: أما و قد استنطقتني يا أمير المؤمنين فسأتكلم بالعدل والإنصاف ولكن الكلام مع ثقل الحديد صعب، فإن جُدتَ عليّ بفكه أفصحتُ عن نفسي وإن كانت الأخرى فيدك العليا ويدي السفلى والله غني حميد.
فأمَر الرشيد بفك الحديد عنه وأجلسه، فقال الشافعي: حاشا الله أن أكون ذلك الرجل، ولكن قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ) )، الحجرات 6, لقد أفِك المبَلِّغ فيما بلَّغك, وإنَّ لي حرمة الإسلام وذمة النسب و كفى بهما وسيلة وما أنا بطالبيّ ولا عَلَوي و إنما أُدخِلتُ في القوم بغيًا عليّ, أنا محمد بن إدريس، وأنا طالب علم, فقال الرشيد: أنت محمد بن إدريس؟ قال: نعم، ثم التفت إلى محمد بن الحسن الشيباني وسأله: يا محمد ما يقول هذا؟ أ هو كما يقول؟ قال محمد بن الحسن: إنَّ له من العلم شأنًا كبيرًا وليس الذي زعم عليه من شأنه.
وكأنَّ الله تعالى وضع هذه المحنة التي انزلق فيها الشافعي من أجل أن يعيده عز وجل من عمل الدنيا إلى عمل الآخرة وهذا واضح جدًا و عسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر.