رؤُوسَهما، فقالَ النبيُّ: «على رِسْلِكما أنها صَفِيَّةُ بنتُ حُيَيَ» ، فقالا: سُبحانَ اللَّهِ يا رسولَ اللَّهِ قالَ: «إِنَّ الشيطانَ يَجْرِي مِنَ الإِنسانِ مَجْرَى الدَّمِ وإنِّي خِفْتُ أَنْ يَقْذِفَ في قُلُوبِكُما شَيْئًا» أو قالَ: «شَرًّا» . أخرجه ابن حبان في صحيحه, فقال ابن عيينة: ما فقه هذا الحديث يا أبا عبد الله؟ فقال الشافعي: لو كان القوم اتهموا رسول الله صلى الله عليه وسلم لكانوا بتهمتهم إيّاه كفارًا و لكنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أدَّب مَن بعده فقال إذا كنتم هكذا فافعلوا هكذا حتى لا يُظَنَّ بكم، لا أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم - وهو أمين الله في وحيه - يُتَّهم, فقال ابن عيينة: جزاك الله خيرًا يا أبا عبد الله ما يجيئنا منك إلا ما نحبه.
من هذه القصة السابقة نجد أنّ الإمام الشافعي رضي الله عنه نفى أن يكون القوم قد اتهموا الرسول الأعظم بأي شيء .... , ولكن التاريخ يبين لنا عكس ذلك فكان إلى جانب الأنصار رضي عنهم كان في المدينة المنورة تيار عظيم العدد من المنافقين بزعامة عبدالله بن أبي سلول فهو كان محرك الفتنة في غزوة بني المصطلق التي اتهمت بها السيدة عائشة رضي الله عنها في عرضها فيقول الله تعالى (( إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ) )النور 11.
و بالتالي من غير المستبعد أن يكونا الرجلين صاحبا القصة من المنافقين وخصوصًا أنّه لم يذكر اسم هذين الرجلين. وعلى كل حال أصحاب رسول الله رضي الله عنهم بشر يصيبون ويخطئون ولكن ليسوا ككل البشر فلو تمت المقارنة بين محاسن الصحابة رضي الله عنهم وهفواتهم سوف نجد أننا نقارن بين بحر عظيم من مكارم الأخلاق وفضائل الأعمال وبين نقطة صغيرة من الندى فأين الثرى من الثريا.
ونعود للشافعي: ولا عجب في ذلك فقد كان يعمل و يهتدي وفق توجيهات أمّه البارّة التي كانت عالمة، حافظة وفقيهة, فقد استُدعِيَت مرة للشهادة أمام قاضي مكة و معها امرأة أخرى وأراد القاضي أن يفرِّق بينها وبين المرأة الأخرى في الشهادة ليسمع كلاّ منهما على حدة، فاعترضت وطلبت إلى القاضي أن تكون شهادتها وشهادة المرأة الأخرى بحضور كليهما واستدلَّت على ذلك بقوله تعالى: (( أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى ) ) [البقرة: 282] ونلاحظ هنا أن ّ القاضي الشرعي لم يقل لأم الإمام الشافعي أنك لا تعلمين شيء ولست فقيه لذلك لا يحق لك الاعتراض , وهذا طبيعي لأنّ ذلك الزمان لم يفسد بعد وهذه القصة درس للجميع للعلماء والمتعلمين لكي يعلموا أنّ الدين الذي جاء به محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم بسيط سهل يفهم الجميع فالله عزّ وجل يقول (( وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) )سبأ 28, فنبينا الكريم فديته بأبي وأمي هو بعث معلمًا للشيخ والطفل والرجل والمرأة.
وأجازه شيخ الحرم الإمام مسلم بن خالد الزنجي وكان أول من أجازه فقال له وهو غلام: أنت يا أبا عبد الله والله لقد آن لك أن تفتي, ولكن الشافعي مع هذا رفض أن يفتي وكيف يفعل ذلك وهو يعتبر أنَّ سلّم العلم ما زال طويلًا، وكيف يفعل ذلك والإمام مالك في المدينة؟!.
6 -لقاء الشافعي بالإمام مالك وتتلمذه على يداه: