و يجب على المسلم دومًا أن يتذكر قوله تعالى (( .... وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ) )البقرة 216, فأحيانًا يكون الفقر والظلم الذي قد يتعرض له المسلم هو خير له , فالله عزّ وجلّ يعلم ونحن لا نعلم وخالقنا أعلم بنا.
فالمسلم الحق يدرك دومًا أنّ الله عزّ وجل يختار له الأفضل, فكثير من الزوجات يقلن لو كان زوجي كذا وكذا لكان أفضل! وهنّ لا يعلمن أين الخير ولا يعلمن أو لا يدركن أنّ الله رحيم بعباده.
فمثلًا بعض النساء يفضّلن الرجل المتحرر - حسب تعبيرهنّ- الذي لا يدقق كثيرًا على الحجاب الشرعي ولا يمانع اختلاط النساء بالرجال الأجانب - أعاذنا الله من ذلك الرجل ومن تلك المرأة- , والسؤال الذي يجب أن تسأل المرأة المسلمة نفسها في هذه الحالة: لو كان زوجك كما تريدين فهل أنت تضمنين نفسك أن لا تنجرفي وراء هذه الحياة وتحبين الاختلاط ويصبح عندك حب الاختلاط ومجالسة الرجال وألا تخشين على ابنك وبنتك الذين سوف يكبرون ويعلمون أنّك كنت على ضلال وانحلال؟!.
فرأيت الكثير من النساء المؤمنات الطاهرات يعانين من مشكلة الاختلاط ويكون سببها الزوج.
نعود إلى الشافعي: والشافعي بذكائه وملاحظته أدرك أنَّ لغة قريش قد دخلتها ألفاظ غريبة ولم يعد لسانها هو اللسان العربي السليم في فصاحته وبيانه، وعلِمَ أنه لا يستطيع أن يجيد علوم القرآن والحديث واستخراج الأحكام من النصوص إلا إذا أتقن اللغة العربية الصحيحة.
انطلق الشافعي إلى مضارب هذه القبيلة فأقام في ظهرانيهم و لازمهم عشرة أعوام عكف خلالها على دراسة اللغة وآدابها وحفظ الشعر كما تعلَّم الرماية والفروسية وبرع فيهما. وروى الشافعي عن نفسه فقال: كانت همَّتي في شيئين، في الرمي والعلم فصرتُ في الرمي بحيث أصيب عشرة من عشرة" [1] . وسكتَ عن موضوع العلم تواضعًا عِلمًا أنه في العلم أكثر من ذلك ,"
وكان الشافعي يومًا يحضر مجلس ابن عيينة فحدَّث ابن عيينة بحديث التالي:
عن صفيةَ بنتِ حُيَيَ- زوج رسول الله- قالت: كانَ رسولُ اللَّهِ مُعْتَكِفًا فأَتيتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا، فحدَّثْتُهُ، ثم جِئْتُ لِأَنْقَلِبَ، فقامَ مَعِي يَقْلِبُني، وكان مَنْزِلُها في دارِ أُسَامَةَ بنِ زيدٍ، ورآنا رجلانِ من الأَنْصارِ، فَلَمَّا رأيا النبيَّ قنَّعا
(1) وقد يسأل سائل و يقول سائل لماذا لم يقل الإمام الشافعي وهو كما نعلمه متواضعًا أنه في العلم أقل من عشرة من عشرة كما يفعل الكثير من علماء عصرنا الذين يصفون أنفسهم أحيانًا بعبد حقير أو ما شابه ذلك؟
فنجيب بعون الله: إن من عادة علماء المسلمين القدماء أن يصغّروا أنفسهم في كل شيء إلا في موضوع العلم إذا كانوا من أهل العلم ,وذلك تصديقًا لقوله تعالى (( وأما بنعمة ربك فحدث ) )الضحى 11, فواجب على المسلم إن آتاه الله العلم أن يتحدث عن ذلك أو على الأقل أن يسكت إن أراد التواضع , أمّا أن يقول أنا عبد حقير أو عبد جاهل, بحجة التواضع فهذا مذموم شرعًا لأن الإنسان يصف نفسه بما ليس فيه ولأنّه يجحد نعمة الله.