الصفحة 12 من 43

أدرك الشافعي ما عند مالك من علم واسع وأحب لقاءه ولكنه تهيَّبَ أن يرحل إليه قبل أن يأخذ من علومه شيئًا، فأقبل على الموطأ فحفظه غيبًا ولم يكن يملك ثمنه فاستعاره وحفظه.

و خشيَ أن لا يستقبله الإمام مالك لحداثة سنِّه فلقد اشتُهِرَ عن مالك أنه رغم سماحته, و طيب خُلُقه كان صارمًا في العمل ولا يبيح وقته للناس ولا يستقبل من يطرق بابه خلال راحته في داره, ولكن الشافعي الشاب المتوقد المتوهج المتعطش إلى غَرف العلم لا يشبع نهمه الجلوس في حلقات درس مالك في المسجد ولكنه يريد أن يتفرَّد بلقائه, فتوسطت له أمّه عند والي مكة، فأرسل معه رسالة إلى والي المدينة [1] .

فلما وصلت الرسالة إلى والي المدينة وقرأها قال:"يا فتى إنَّ مشيي من جوف مكة إلى جوف المدينة حافيًا راحلًا أهوَن عليّ من المشي إلى باب مالك، فلستُ أرى الذل حتى أقف على بابه!",

فقال الشافعي: أصلح الله الأمير، إن رأى الأمير يوجه إليه ليحضر, فقال الأمير: هيهات، ليت أني لو ركبت ُأنا ومن معي وأصابنا من تراب العتيق -حي يسكنه مالك- نلنا بعض حاجتنا, وواعده على الذهاب إلى مالك في وقت العصر [2] .,

ويروي الشافعي فيقول: وركبنا جميعًا، فو الله لكان كما قال، لقد أصابنا من تراب العتيق فتقدم رجل منا فقرع الباب فخرجت إلينا جارية سوداء فقال لها الأمير: قولي لمولاكِ أني بالباب, فدخلت ثم خرجت فقالت: إنَّ مولاي يقرئكَ السلام و يقول إن كان لديك مسألة فارفقها في رقعة يخرج إليك الجواب و إن كان للحديث فقد عرفتَ يوم المجلس فانصرِف, فقال لها الأمير: قولي له إنَّ معي كتاب والي مكة إليه في حاجة.

فدخلت وخرجت وإذا بمالك قد خرج وعليه المهابة والوقار وهو شيخ طويل مسنون اللحية، فرفع الوالي الكتاب إلى الإمام مالك فطفق يقرأه فلما بلغ إلى هذا: إنَّ هذا رجل يهمني أمره وحاله فتحدثه ... وتفعل ... وتصنع .... فرمى مالك الكتاب من يده ثم قال: سبحان الله أوَ صار علم رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤخّذ بالرسائل؟! قال الشافعي: فرأيتُ الوالي قد تهيَّب أن يكلِّمه فتقدمتُ وقلت: أصلحك الله ... إني رجل مطلبيّ من بني المطَّلِب وحدَّثتُه عن حالتي و قضيتي فلما سمع كلامي نظر إليَ و كان لمالك فراسة فقال: ما اسمك؟ قلت: محمد، فقال:"يا محمد إنه سيكون لك شأن وأي شأن، إنَّ الله تعالى قد ألقى على قلبك نورًا فلا تطفئه بالمعصية, إذا جاء الغد تجيء مصطحبًا معك ما تقرأ به", وطلب منه أن يأتي بمن يقرأ له الموطأ لصغر سنه ولكن الشافعي جاءه في اليوم الثاني ومعه الموطأ وبدأ يقرأ عن ظهر غيب والكتاب في يده , وكلما قرأ قليلًا تهيَّب مالكًا وأراد أن يقطع ولكن أعجب مالك حُسن قراءته وإعرابه فقال: زد يا فتى، حتى قرأ عليه الموطأ في أيام يسيرة.

ولازم الشافعي مالكًا تسعة أعوام ولم ينقطع عنه إلا لزيارة أمّه أو لرحلة علمية و كان قد ذهب في بعض الرحلات إلى العراق وحصل ثروة من علم أبي حنيفة.

هكذا كانوا أئمة الهدى أئمة التقوى يجعلون الكل يحترمهم ولا يذلون العلم ولا يصغّروه لا للسلاطين ولا لأصحاب الثروات فحري بنا أن نقتدي بهم , فدين محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعلو ولا يعلى عليه.

(1) الموسوعة الإسلامية المعاصرة 1998 - 1998

(2) سير أعلام النبلاء للذهبي ج10

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت