قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما نقلهم لإباحته عن مالك وأهل الحجاز كلهم فهذا غلط من أسوأ الغلط، فإن أئمة الحجاز على كراهته وذمه، ومالك نفسه لم يختلف قوله وقول أصحابه في ذمه وكراهته، بل هو من المبالغين في ذلك، وقد ذكر محمد بن طاهر في مسألة السماع حكاية عن مالك أنه ضرب بطبل وأنشد بيتًا، وهذه الحكاية مما لا يتنازع أهل المعرفة في أنها كذب على مالك [1] .
وقال أيضًا: ومن ذكر عن مالك أنه ضرب بالعود فقد افترى عليه [2] .
وقال ابن القيم: وأما نقلك لإباحته عن مالك بن أنس وأهل الحجاز كلهم- فهذا من أقبح الغلط وأفحشه؛ فإن مالكًا نفسه لم يختلف قوله وقول أصحابه في ذمه والمنع وكراهته، بل هو من المبالغين في ذلك الشاهدين على أهله بالفسق، ولهذا لما سأله إسحاق بن عيسى الطباع عما يترخص فيه أهل المدينة من الغناء قال: «إنما يفعله عندنا الفساق» ومؤلفات أصحابه في تحريمه شاهدة بذلك [3] .
وقال سعيد بن إدريس: أما ما نسب إلى إمام دار الهجرة مالك بن أنس أنه أباح الغناء والعود فباطل مردود، وما حكاه الخطيب في تاريخه أن جماعة اجتمعوا ومعهم مالك ومعه دف مربع وهو يغنيهم- حكاية باطلة من وجوه:
1-أنه قد نظرنا في سندها التي أخرجها به الخطيب فوجدناه تالفًا؛ لأن فيه عبيد الله بن سعد، قال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به.
2-إن هذه القصة تخالف سيرة الإمام مالك المشهور بالورع والصلاح والزهد [4] .
قلت: وبهذا تبين أن قولهم: إن مذهب مالك أباح الغناء وأن مالك ضرب الطبل- قول غير صحيح وأنه افتراء على الإمام مالك.
(1) الاستقامة (1/272-273) .
(2) مجموع الفتاوى (11/578) .
(3) الكلام على مسألة السماع (297) .
(4) الملحق بتحقيق كتاب تحريم النرد والشطرنج والملاهي للأجري (ص402-402) .