وقال الخطابي: المزمار الذي سمعه ابن عمر هو صفارة الرعاة وقد جاء ذلك مذكورًا في هذا الحديث من غير هذه الرواية وهذا وإن كان مكروهًا فقد دل هذا الصنع على أنه ليس في غلظ الحرمة كسائر الزمور والمزاهر والملاهي التي يستعملها أهل الخلاعة والمجون ولو كان كذلك لأشبه أن لا يقتصر في ذلك على سد السامع فقط دون أن يبلغ فيه النكير مبلغ الردع والتنكيل [1] .
وقال ابن القيم: هذا الحديث هو إلى أن يكون حجة عليكم أقرب من أن يكون حجة لكم من سماع ما حرمه الله ورسوله فإن سد النبي - صلى الله عليه وسلم - لأذنيه من أبين الأدلة على أن هذا الصوت منكر وهو من الأصوات التي ينبغي سد الأذن عند سماعها لأنها مما يبغضه الله ورسوله وسد الأذنين عند هذا الصوت نظير غض بصره عند رؤيته المحرمات، وأما كونه لم يأمر نافعًا بسد أذنيه عنده فلأن المحرم إنما هو الاستماع والإصغاء لا السماع من غير إصغاء واستماع فلا يجب على الإنسان سد أذنيه عند سماع الأصوات المحرمة وإنما الذي يحرم قصد استماعها والإصغاء إليها ...
ثم ذكر رحمه الله أمثلة على الفرق بين قصد الفعل وحصوله بدون قصد فقال: فرق الفقهاء في سجود التلاوة بين السامع والمستمع فاستحبوه للمستمع ومنهم من أوجبه عليه بخلاف السامع ... وكذلك شم الطيب بالنسبة للمحرم فإنه يحرم عليه قصد شمه واستنشاقه ولكن لو حملته الريح وألقته في خياشيمه فلا يجب عليه سد أنفه وكذلك اللمس إنما المحرم منه قصد مس بشرته بشرة المحرم فلو وقعت بشرته على بشرة المحرم من غير قصد لزحمة أو غيرها لم يكن ذلك حرامًا [2] .
(1) معالم السنن المطبوع من السنن (5/222) .
(2) الكلام على مسألة السماع (ص412-415) .