أحدها: أن المحرم هو الاستماع لا السماع فالرجل لو يسمع الكفر والكذب والغيبة والغناء والشبابة من غير قصد منه بل كان مجتازًا بطريق فسمع ذلك- لم يأثم باتفاق المسلمين ... فلو كان الرجل مارًّا فسمع القرآن من غير أن يستمع إليه لم يؤجر على ذلك وإنما يؤجر على الاستماع الذي يقصد كما قال تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204] فإذا عرف أن الأمر والنهي والوعد والوعيد يتعلق بالاستماع لا بالسماع فالنبي - صلى الله عليه وسلم - كان مارًّا مجتازًا لم يكن مستمعًا، وكذلك كان ابن عمر رضي الله عنهما مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ونافع مع ابن عمر سامعًا لا مستمعًا فلم يكن عليه سد أذنيه.
الوجه الثاني: أنه إنما سد النبي - صلى الله عليه وسلم - أذنيه مبالغة في التحفظ حتى لا يسمع أصلًا، فتبين بذلك أن الامتناع من أن يسمع ذلك خير من السماع وإن لم يكن في السماع إثمًا ولو كان الصوت مباحًا لما كان يسد أذنيه عن سماع المباح بل سد أذنيه لئلا يسمعه وإن لم يكن السماع محرمًا دل على أن الامتناع من الاستماع أولى فيكون على المنع من الاستماع أدل منه على الأذن فيه [1] .
وقال ابن عبد الهادي: وهذا لا يدل على إباحة؛ لأن المحظور هو قصد الاستماع لا مجرد إدراك الصوت؛ لأنه لا يدخل تحت تكليف فهو كشم مُحرِم طِيبًا فإنما يحرم عليه قصده لا ما جاءت به ريح لشمه.
وكنظرة فجأة بخلاف تتبع نظرة فمحرم، وتقريره الراعي لا يدل على إباحة؛ لأنها قضية عين فلعله سمعه بلا رؤية أو بعيدًا منه على رأس جبل أو مكان لا يمكن الوصول إليه أو لعل الراعي لم يكن مكلفًا فلم يتعين الإنكار عليه [2] .
(1) مجموع الفتاوى (30/212-214) .
(2) نقلًا عن عون المعبود (13/267) .