قلت: هذا الحديث يدل على جواز الغناء في الأعراس بما لا يثير الغرائز ويهيج الشهوات كما يجوز ضرب الدف قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فصل ما بين الحلال والحرام الضرب بالدف» [1] .
وقال الإمام أحمد: أرجو أن لا يكون بالدف بأس في العرس ونحوه [2] .
قلت: لكن هذه الأحاديث تدل على أن جواز الغناء والضرب بالدف خاص في الأعراس ونحوها لا تصلح دليلًا على جواز الغناء مطلقًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن الرخصة في الغناء في أوقات الأفراح للنساء والصبيان أمرٌ مضت به السنة كما يرخص لهم في غير ذلك من اللعب، ولكن لا يجعل الخاص عامًّا [3] .
وقال أيضًا: وهذه نفوس النساء والصبيان فهن اللواتي كن يغنين في ذلك على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه ويضربن بالدف، وأما الرجال فلم يكن ذلك فيهم، بل كان السلف يسمون الرجل المغني مخنثًا؛ لتشبيهه بالنساء [4] .
وقال الألباني: إن الذين كانوا يضربون بالدف إنما هم النساء لا الرجال، وبمناسبة الزفاف ... أو بمناسبة العيد ... ولهذا قال الحليمي -وهو من كبار علماء الشافعية-: «وضرب الدف لا يحل إلا للنساء؛ لأنه الأصل من أعمالهن، وقد لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المتشبهين من الرجال بالنساء [5] » .
قلت: وبهذا يتبين أن هذا الحديث ليس حجة على جواز الغناء مطلقًا، وإنما يدل على جوازه في الأعراس وبمثل هذه الكلمات البريئة.
(1) رواه الترمذي: كتاب النكاح، 6- باب ما جاء في إعلان النكاح (رقم 1088) (3/398) والنسائي 26- كتاب النكاح، 72- باب إعلان النكاح (3369) (6/437) ، وابن ماجة: كتاب النكاح، 20- باب إعلان النكاح (رقم 1896) (1/611) وأحمد في المسند (4/259) ، والحاكم في المستدرك (2/184) والبيهقي في السنن الكبرى (7/289) .
(2) الاستقامة (1/287) .
(3) الاستقامة (1/287) .
(4) المصدر السابق.
(5) تحريم آلات الطرب (ص10-11) ، وعزا قول الحليمي إلى شعب الإيمان (4/283) .