الأدلة:
أدلة القول الأول:
استدل أصحاب القول لقولهم بأن الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد تقام فيه الجماعة بما يأتي:
1.قول الله تعالى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [1] ووجه الدلالة: أن لفظ (المساجد) في الآية عام فيشمل كلَّ مسجد لكن يخصَّ بالمسجد الذي تقام فيه الجماعة لأن الجماعة واجبة، واعتكاف الرجل في مسجدِ لا تقام فيه الجماعة يقضي إلى أحد أمرين: إما ترك الجماعة الواجبة، وإما خروجه إليها، فيتكرر ذلك منه كثيرًا مع إمكان التحرز منه، وذلك مناف للاعتكاف، إذ هو لزوم المعتكَف والإقامة على طاعة الله فيه [2] .
2.قول عائشة رضي الله عنها: السنة في المعتكف ألا يعود مريضًا ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج إلا لما لابَّد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة [3] وموضع الشاهد منه قولها: (ولا اعتكاف إلا في مسجد جماعة) ، وقد صدرت رضي الله عنها قولها بـ (السنة) وهي تنصرف عند الإطلاق إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم
وقد اعترض على هذا الاستدال: بأنه هذا القول مدرج من كلام الزهري وليس من كلام عائشة رضي الله عنها كما ذكر ذلك الدار قطني وغيرها [4] .
3.أن هذا القول هو المأثور عن الصحابة رضي الله عنهم. فقد روي هذا القول عن علي وعائشة وابن عباس رضي الله عنهم [5] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"لم ينقل عن صحابي خلافه إلا قول من خصَّ الاعتكاف بالمساجد الثلاثة أو مسجد نبي" [6] اهـ.
(1) - سورة البقرة، الآية: 187.
(2) - ينظر: المغني (4/ 461) ، المجموع (6/ 483) ، شرح العمدة (4/ 721) .
(3) - أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (4/ 315) والدار قطني في سننه (2/ 201) ، وأخرجه بنحوه أبو داود في
سننه إلا أنه قال (ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع) بدل: مسجد جماعة.
(4) - قال الدار قطني رحمه الله في سننه (2/ 201) :"إن قوله (وأن السنة للمعتكف ... إلى آخره ليس من قول النبي صلى الله عليه وسلم(أي ليس من قول عائشة) ومن أدرجه في الحديث فقد وهم"اهـ. وقد نقل ابن القيم رحمه الله كلام = = الدار قطني السابق في تهذيب السنن (7/ 145) ثم قال:"... ولهذا - والله أعلم -. ذكر صاحب الصحيح أوله وأعرض عن هذه الزيادة"اهـ.
ومراد ابن القيم بأوله قول عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر حتى توفاه الله ثم اعتكف أزواجه من بعده. وقد أخرجه البخاري في صحيحه (4/ 271) رقم (2026) ومسلم في صحيحه (2/ 830) رقم (1172) وقد أعرض الشيخان عن تتمته"والسنة في المعتكف ألا يعود مريضًاَ ..."الخ ولعل ذلك لعلة الإدراج المذكورة والله أعلم.
(5) - ينظر: مصنف عبد الرزاق (4/ 346) ، المحلى (5/ 196) .
(6) - شرح العمدة (2/ 734) .