وإنما حمدت هذه الأخلاق من التذلل والتواضع والتملق للعلماء من أجل تحصيل العلوم؛ لأنها طريق إلى تحصيل المعالي والمكارم والفضائل الحقيقية، فهي مفضية إلى الكمال، ولهذا قال الحسن -رحمه الله-:"من أستتر عن طلب العلم بالحياء لبس للجهل سرباله، فاقطعوا سرابيل الحياء، فإن من رق وجهه رق علمه".
ويقول الخليل بن أحمد الفراهيدي إمام اللغة المعروف:"منزلة الجهل بين الحياء والأنفة"، إما أن يستحي فتفوته الفائدة، وإما أن يتعالى ويأنف فتفوته الفائدة؛ لئلا يظن به الجهل والحاجة، وهكذا في سائر الخصال والأخلاق.
سادسًا: منزلة الحياء:
الحياء إحساس رقيق، وشعور دقيق، يبدو في العين مظهره، وعلى الوجه أثره، ومن حرمه حرم الخير كله، ومن تحلى به ظفر بالعزة والكرامة، ونال الخير أجمع.
الحياء أصل لكل خير، وهو أفضل وأجلُّ الأخلاق، وأعظمها قدرًا، وأكثرها نفعًا، بل هو خاصة الإنسانية؛ لأن الحيوان لا حياء له، فمن لا حياء له ليس معه من الإنسانية إلا اللحم والدم وصورتهما الظاهرة، صورته صورة إنسان وداخلته داخلة حيوان، كما أنه ليس معه من الخير شيء إذا تخلى من الحياء، ولولا هذا الخلق لم يُقرى الضيف، ولم يوف بالوعد، ولم تؤد الأمانة، ولم تقض لأحد حاجة، ولا تحرى الرجلُ الجميلَ فآثره، والقبيحَ فتجنبه، ولا ستر له عورة، ولا امتنع عن فاحشة، وكثير من الناس لولا الحياء الذي فيه لم يؤد شيء من الأمور المفترضة عليه، ولم يرع لمخلوق حقًا، ولم يصل له رحمًا، ولا بر له والدًا؛ فإن الباعث على هذه الأفعال إما ديني وهو رجاء عاقبتها الحميدة، وأما دنيوي علوي وهو حياء فاعلها من المخلوقين.
يتبين بهذا أنه لولا الحياء إما من الخالق أو من المخلوق لم يفعل الإنسان شيئًا من هذه المكارم التي وصفتها.