الحياء الشرعي هو الذي يحملك دائمًا على فعل ما يليق، النبي -صلى الله عليه وسلم- كان أشد حياء من العذراء في خدرها، ومع ذلك كان يقول كلمة الحق، ويبلغ دين الله -عز وجل-، ويغضب لله -تبارك وتعالى- إذا انتهكت حرماته، ويغار لله غيرة لا يغارها أحد من المخلوقين على محارم الله -تبارك وتعالى-.
فحياؤه -صلى الله عليه وسلم- العظيم الذي وصف بهذه الصفة التي ليس بعدها وصف أبلغ من هذا الوصف مع ذلك فإن حياءه كان يحمله على مزيد من مكارم الأخلاق، وكان يحمله على قول الحق والصدع به دون خجل ولا تردد ولا مداراة ولا مداهنة لأحد.
إذن: هذا المانع الذي يمنعنا وإن ظن بعضنا أنه من الحياء إنما هو خور وضعف ومذلة ومهانة تعتور هذا الإنسان فيجبن في بعض المقامات التي كان يجب عليه أن يتحرك وأن ينطق بالحق فيها.
إن الأخلاق فيها ما يحمد وفيها ما يذم، فالافتقار إلى المخلوقين والتذلل لهم والتملق، والتملك لهؤلاء الناس أمر مذموم؛ ولكنه يحمد في مقام واحد وهو إذا كان هذا التملق من أجل تحصيل العلم النافع، التلطف للعلماء، والتواضع لهم، والتذلل لهم أمر يحبه الله -عز وجل- ولا يحصل العلم إلا به.
التردد على أبواب الناس من أجل الافتقار والحاجة مذموم؛ ولكن التردد على أبواب العلماء من أجل تحصيل العلوم النافعة أمر يحمد عليه الإنسان، ويحصل فيه -أو يحصل بسببه- العلوم الجمة، ولهذا قال ابن قتيبة أديب أهل السنة --رحمه الله- رحمة واسعة-:"ليس الملق من أخلاق المؤمنين إلا في طلب العلم".
ولهذا قال ابن عباس --رضي الله تعالى عنه-ما-:"ذللت طالبًا فعززت مطلوبًا"، ويقول علي ابن أبي طالب -رضي الله عنه-:"لا يستحي من يعلم أن يتعلم، ولا يستحي من إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم"، وقد قال بعض السلف:"لا ينال العلم مستحٍ ولا متكبر".