فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 39

فالذي وازعه الخوف من الله -عز وجل- قلبه ملاحظ للعقوبة، حاضر معها، وهو ملاحظ لنفسه ولمصلحتها فحسب، ومن كان وازعه الحياء من الله -تبارك وتعالى- فقلبه حاضر مع الله في حال الإحسان وفي حال الإساءة، قلبه حاضر مع الله وهو على فراشه، وهو يتحدث مع الناس، وهو يتصدق، {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ} [ (60) سورة المؤمنون] ، فهو يعلم أن هذا الإنعام والأفضال من الله -تبارك وتعالى- ولكنه يستحي من الله -عز وجل-، وذلك أنه يعلم أن هذا العطاء لا يكافئ نعم الله -تبارك وتعالى-.

المستحيي مراعٍ لجانب الرب، والخائف مراعٍ لجانب النفس، وعلى كل حال من كان وازعه الحياء نبعت ينابيع الحكمة من قلبه، وتفجرت عيونها، وارتسمت عليه مكارم الأخلاق في كل أحواله ومقاماته.

خامسًا: إشكال في الحياء:

قد يشكل علينا كيف كان الحياء من الإيمان وهو خير كله ولا يأتي إلا بخير، مع أن هذا الحياء لربما جعل صاحبه يجبن في بعض المقامات التي كان يجب عليه أن ينطلق فيها آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، قائلًا بالحق؟ كيف كان يحبه الله -عز وجل- ولا يأتي إلا بخير، مع أنه يجبن صاحبه ويضعفه ويقعده في بعض الأحيان عن بعض الأمور التي لا تليق؟ وكذلك أيضًا يقعده عن بعض الأمور اللائقة؟ وكذلك أيضًا لربما شارك الإنسان غيره في ألوان الانحرافات بسبب أنه يخجل أن يمتنع منها؛ لأن هؤلاء الناس من زملائه وأصحابه وجلسائه قد أحرجوه وضيقوا عليه فلم يجرؤ على مخالفتهم؟

أقول: هذا الذي سماه الناس في عرف استعمالهم بالحياء الذي يجبننا أحيانًا عن فعل ما يليق ليس من الحياء في شيء، إنما سماه بعض الناس حياء، واختلط الأمر عليهم والتبس، وإلا ففي حقيقة الأمر فإن ذلك من المهانة والخنوع والضعف وليس من الحياء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت