فالحياء كغيره من الأخلاق يكتنفه وصفان ذميمان مثله مثل الكرم الذي هو وسط بين الشح وبين الإسراف والتبذير، وكالتواضع الذي هو وسط بين الذل وبين العلو والكبر، وهكذا يكون الحياء وسطًا بين البجاحة وعدم اللياقة وبين الضعف والهوان، فإذا انحرفت النفس عن فطرتها وعمَّا رسم الله -عز وجل- لها من الأخلاق الفاضلة، وما فطرها الله -تبارك وتعالى- عليه فإنها تميل إما إلى هذا الطرف وأما إلى هذا الطرف، وقليل من الناس من يوفق إلى لزوم هذه الفطرة وإلى المحافظة عليها، والمهتدي من هداة الله -عز وجل-، والضال من أظله الله -تبارك وتعالى-.
رابعًا: الفرق بين الحياء والخوف:
ما الذي يحجزنا عن فعل القبيح؟ ربما يكون ذلك هو الخوف من الله -عز وجل-، أو الخوف من الناس، وربما يكون ذلك هو الحياء من الله -عز وجل- أو الحياء من الناس والحياء من النفس، ولربما تجتمع هذه الأمور الثلاثة، فأي المقامات أفضل؟ من كان حاجزه عما لا يليق هو الخوف؟ أو من كان حاجزه هو الحياء؟ مع أننا نعلم أن الحياء من الله، وأن الخوف من الله، ونعلم أن ذلك جميعًا من شعب الإيمان، ومما يحبه الله -عز وجل-؛ ولكن أي هذه المقامات أرفع وأعلى؟
أقول: الحياء من شيم الأشراف، وهو من صفات النفوس الأبية الكريمة الزكية، فصاحبه أحسن حالًا ممن كان حامله الخوف المجرد عن فعل ما لا يليق.
ثم إن الحياء من الله -عز وجل- يدل على مراقبته وحضور القلب معه، ثم أيضًا في الحياء ما يدل على تعظيم الرب المعبود -جل جلاله- وليس ذلك بموجود في الخوف بقدر ما هو موجود في الحياء.