إنها الفطرة التي فطر الله -عز وجل- الناس عليها، ما فطرهم الله -تبارك وتعالى- على البذاء وعلى مساوئ الأخلاق، إلا أن هذه الفطرة كغيرها من الفطر التي يمكن أن تتدنس وأن تتغير، وأن يعتورها ما يعتور الفطر الأخرى، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (( ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) ) [1] ، فهذا الخلق يمكن أن يكتسب، ويمكن أن ينمى في نفس الإنسان، فالصغير حينما يسمع كلمات من أبويه أو ممن حوله ممن يطوفون به صباح ومساء يعلمونه فيها ما يليق وما لا يليق؛ فإن ذلك ينمو في نفسه، ويتجذر حتى يصير الحياء سمة بارزة له، أما إذا نشأ هذا الصغير على قلة الحياء فهو ينشأ وتقع عينه لأول وهلة على أمٍ قد تعرت من الستر، حينما تجلس مع محارمها، وحينما تجلس مع صديقاتها وصويحباتها، أو حينما تخرج إلى صالات الأفراح، أو حينما تخرج إلى السوق أو غير ذلك، فإن هذا الصغير لا يمكن أن يتحاشى هذه الأمور بعد ذلك؛ لأنه لا يجد غضاضة في انكشاف عورته وفي انكشاف مواضع كثيرة من جسده؛ لأنه نشأ على ذلك.
وينشأ ناشئ الفتيان فينا ... على ما كان عوده أبوه
مع أن هذه الخصلة مغروزة فيه حينما ولد؛ لأنها خاصية بشرية؛ حبا لله -عز وجل- بها هذا الإنسان، وميزه الله بها عن الحيوانات، فإن الحيوان لا يعرف الحياء، وكلما انحط الإنسان وتدنى في أخلاقه كلما شابه العجماوات والحيوانات، وكلما سفل وصار يشبهها في نزع الحياء، وفي أخلاقها، وفي تهارشها على ما لا يليق، ووقوعها على ذميم الأخلاق ومساوئها.
(1) أخرجه البخاري كتاب الجنائز - باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه وهل يعرض على الصبي الإسلام (1293) (ج 1 / ص 456) ومسلم في كتاب القدر - باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (2658) (ج 4 / ص 2047) .