فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 39

الحياء إما يكون بسبب الجناية، ويدل على ذلك حديث أنس المخرج في الصحيحين [1] ، وهو حديث الشفاعة المشهور، فالناس في ذلك الموقف العصيب يأتون إلى آدم -صلى الله عليه وسلم- فيقول:"لست هناكم"ويذكر ذنبه فيستحي، ثم يأتون نوحًا فيقول:"لست هناكم"ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم، فيستحي وهكذا حينما يأتون موسى -صلى الله عليه وسلم- فيقول:"لست هناكم"ويذكر قتل النفس بغير نفس فيستحي من ربه.

وتارة يكون الباعث له التقصير، فالحياء خلق يتولد من أمرين: من ملاحظة النعمة والإفضال، ومن ملاحظة التقصير في جانب النعمة، فالله ينعم عليك ويتفضل، وأنت مقصر في شكر هذه النعم فيتولد حالة يقال لها: الحياء، فيستحي الإنسان من الله -عز وجل- لتقصيره في القيام بحقوقه من تحقيق ألوان العبودية له -جل جلاله-.

والباعث الثالث هو حياء الإجلال، ويكون ذلك لمن عرف الله -عز وجل- معرفة صحيحة بأسمائه وصفاته، وعلى قدر معرفة العبد بربه يكون حياؤه منه، وتارة يكون الباعث له الكرم، فهو حياء الكرم.

النبي -صلى الله عليه وسلم- لما أولم على زينب بنت جحش ودعى الناس فطعموا وبقي ثلاثة نفر في البيت استحي النبي -صلى الله عليه وسلم- فلم يأمر هؤلاء النفر بالانصراف، فذهب وطاف على نسائه، ثم رجع فوجدهم في البيت، ثم استحيا النبي -صلى الله عليه وسلم- استحيا من هؤلاء أن يشعرهم باستثقاله من وجودهم عند زوجته أو في بيته في هذا البيت الجديد الذي قد بنى النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه على زينب --رضي الله تعالى عنه-ا- للتو، فأقول: هذا حياء كرم.

(1) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق - باب صفة الجنة والنار (6197) (ج 5 / ص 2401) ومسلم في كتاب الإيمان - باب أدني أهل الجنة منزلة فيها (193) (ج 1 / ص 180) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت