فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 39

وقد صور لنا القرآن حال بعض الجاهليين وكيف كانوا يستحيون من الله -عز وجل- قال -تبارك وتعالى- عنهم: {أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ} [ (5) سورة هود] : الذي ذكره جمع من السلف في تفسير هذه الآية أن الواحد من هؤلاء المشركين كان إذا خرج إلى الخلاء لقضاء حاجته قال بظهره وصدره هكذا، أماله من أجل أن يكون ظهره حائلًا بينه وبين السماء حياءً من الله -عز وجل-، مع أن الناس لا يرونه، فأين هؤلاء الجاهليين من أولئك المتهتكين الذين يعرضون المفاتن والأجساد العارية، يراها ملايين البشر، ويصوت لهم الملايين من أهل الضعة وأهل الانحطاط والسفور الذين لم يعرفوا مكارم الأخلاق.

النوع الثاني: هو الحياء من الخلق، ويكون بكف الأذى عنهم بجميع أنواعه، بالقول والفعل، وترك سوء الظن بهم، ويكون بترك المجاهرة بكل قبيح.

وبين الحياء من الله -عز وجل- والحياء من المخلوقين ملازمة أكيدة، وقد قال ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه-:"من لم يستحِ من الناس لا يستحي من الله".

والنوع الثالث: الحياء من النفس، وهو نوع لطيف من الحياء، وهل يستحي الإنسان من نفسه؟

أقول: نعم ذاك حياء يعرفه أصحاب النفوس الكريمة الشريفة العزيزة الرفيعة الأبية، هذه النفوس تستحي من رضاها لنفسها بالنقص، ومن قناعتها بالدون، فيجد الواحد نفسه مستحييًا من نفسه، حتى كأنما له نفسان يستحي بأحدهما من الآخر، ويكون ذلك -أعني الحياء من النفس- بالعفاف وصيانة الخلوات، وهذا أكمل ما يكون من الحياء؛ فإن العبد إذا استحي من نفسه فهو بأن يستحي من غيره أجدر وأولى كما لا يخفى.

ثامنًا: أقسام الحياء من جهة المحرك له والباعث له والداعي إليه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت