وفي الحديث الآخر أن رجلًا جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال له:"أوصني"، قال: (( أوصيك أن تستحي من الله تعالى كما تستحي من الرجل الصالح من قومك ) ) [1] ، بمعنى ألا يكون الله -عز وجل- هو أهون الناظرين إليك، فينبغي أن تستحي من الله -تبارك وتعالى- حق الحياء، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في حديث ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه-: (( استحيوا من الله حق الحياء ) )، فسألوه فقالوا:"إنا نستحي والحمد لله"قال: (( ليس ذاك؛ ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى ) ) [2] تحفظ السمع فلا يسمع ما لا يليق من الفحش والبذاءة والغناء والغيبة والمعصية بجميع أنواعها مما يسمع، وأن تحفظ هذا البصر فلا ينطلق ولا يسرح يمنة ويسرة، فيرى ما لا يليق، ويرى ما يحرم عليه أن ينظر إليه.
يسر مقلته ما ضر مهجته ... لا مرحبًا بسرور عاد بالضرر
وكذلك يحفظ الإنسان الشم فلا يشم شيئًا لا يجوز له شمه.
(( أن يحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى ) ): فلا يدخل في هذا الجوف شيء حرمة الله -عز وجل- من المال الحرام والخمر والدخان وما إلى ذلك، (( ولتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء ) ) [3] .
خطب أبو بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- الناس وقال:"يا معشر المسلمين استحيوا من الله، فو الذي نفسي بيده إني لأظل حين أذهب الغائط في الفضاء متقنعًا في ثوبي استحياءً من ربي -عز وجل-".
(1) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (ج 16 / ص 229 - 7479) وأبو يعلى في مسنده (6947) (ج 12 / ص 379) وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (2541) .
(2) سيأتي تخريجه قريبًا.
(3) أخرجه الترمذي في كتاب صفة القيامة والرقائق والورع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - باب 24- (2458) (ج 4 / ص 637) والطبراني في الصغير (494) (ج 1 / ص 298) وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم (935) .