كانوا أقرب الناس إليه، ويحب في الله أحباب الله ولو كانوا أبعد الناس عنه، ويقاتل في سبيل الله من كفر واعتدى ولو كانوا من الآباء والأبناء والأخوة والعشيرة، هذا في جانب الخلق.
أما أخلاقه مع الخالق فهي أكمل الأخلاق فهو شاهد لله بما شهد سبحانه لنفسه من أنه الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم، الملك القدوس، السلام المؤمن المهيمن، العزيز الجبار المتكبر، الخالق البارئ، المصور الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلى القائم على كل نفس بما كسبت، مؤمن برسالات الله.
ومثل هذا الإنسان الصالح محبوب عند الله ولو كان في أسمال بالية، وبيت متواضع، وبطن جائع. وذلك المجتمع والأمة التي تضم أمثال هذا هي خير الأمم ولو عاشت في صحارى قاحلة، وشوارع ضيقة، وبيوت رثة بالية!!
وها نحن نقرأ في القرآن عن بني إسرائيل أن الله اختارهم لحمل رسالة، وفضلهم على العالمين في زمانهم، وكانوا شعبًا مشردًا مطرودًا يسامون الخسف ويصبحون ويمسون في الذل والإهانة، يعيشون مع الفراعنة يستحيون نساءهم، ويقتلون أبناءهم ويسومونهم سوء العذاب فيسخرونهم في البناء وفلاحة الأرض، وتنظيف الطرقات، وخدمة البيوت، ومع ذلك نقرأ في القرآن ثناء الله عليهم واجتباءه لهم وتفضيلهم على العالمين في زمانهم، لما قاموا برسالة الله وعبدوه. قال تعالى: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين} (البقرة:47) ، وهذا في موضعين من القرآن، وفي موضع ثالث قال تعالى: {ولقد اخترناهم على علم على العالمين} (الدخان:32) أي على علم بأنهم أصلح الناس في زمانهم ومن الله عليهم بأن نصرهم على عدوهم، وأنجاهم من بطشه وأورثهم مشارق الأرض ومغاربها. كما قال تعالى عنهم: {وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها، وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون} (الأعراف:137)
ولكنهم بعد أن تجاوزوا حدود الله، وعصوا رسله، وشرعوا يقتلون أنبيائهم ويديرون ظهورهم لشريعة ربهم ويدعون في الدين ما لم ينزل عليهم زاعمين أنهم أبناء الله وأحباؤه، وأن الجنة خالصة لهم من دون الناس، وأنهم شعبه المختار، وتطاولوا على الله بالجحود والنكران، واصفين إياه سبحانه بأبشع الصفات كقولهم (استراح في اليوم السابع) (يد الله مغلولة) (إن الله فقير ونحن أغنياء) ، ومجاوزين حدود شريعته، مستحلين للحرام ظالمين أنفسهم.
لذلك كله وغيره من المعاصي والذنوب لعنهم الله وطردهم من رحمته وسلط عليهم وإلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب، بل وشتت شملهم في الأرض وقوض دولتهم وأنهى من الأرض فضلهم وسبقهم، وجعل اللعنة ملازمة لذكرهم حيث ذكروا كما قال تعالى: لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون، كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون، ترى كثيرًا منهم يتولون الذين كفروا ما كانوا يفعلون، ترى