الصفحة 17 من 18

ليس مجتمعًا تختفي منه الجريمة، ويمحي منه الشر، وتزول منه الأثرة والطمع والشح والبخل زولًا كاملًا .. كلا .. فإن مثل هذا المجتمع لا وجود له في عالم الواقع.

ولكن المجتمع الصالح هو الذي لا يقر هذا الباطل، ويعمل على تلافيه وعلاجه، فالجريمة مسيطر عليها، نافذ حكم الله في أصحابها .. والضعف يعالج بما يناسبه .. شدة ولينا، ومسامحة وتنكيلًا. حسب ما تقتضيه المصلحة الشرعية، ويتطلبه الموقف.

والمقصود من سرد ذلك كله أن نبين الجانب الآخر من الصورة. وذلك أن عرض المواقف الحسنة والجوانب المثالية الطيبة .. وذلك أن عرض ينظرون إلى المجتمعات الفاضلة نظرة غير واقعية، وغير صحيحة، ولذلك فقدوا الأمل في إصلاح مجتمعاتنا المعاصرة التي تعج بالفساد، واعتقدوا أنه يستحيل الوصول إلى الصورة التي تخيلوها .. فانصرفوا عن الدعوة والعلاج، بل وقعت طوائف منهم عن الإيمان وهلكت أيضًا عندما رأوا أن أشخاصهم وذواتهم لا يمكن أن ترتقي للمستوى الذي تخيلوه للفرد الصالح .. ولو عرف هؤلاء حقيقة النفس البشرية لم ييأسوا من علاج أنفسهم وغيرهم. قال تعالى: {ولله ما في السموات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى* الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم، إن ربك واسع المغفرة، هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض، وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى} (النجم:31 - 32) .

فجعل الله الذين أحسنوا هم الذين يجتنبون الكبائر وتقع منهم الصغائر التي يغفرها الله، وهذا هو المحسن وكذلك أدخل الله في جملة المتقين من يفعل فاحشة ثم يتوب منها .. كما قال سبحانه وتعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين} (آل عمران:133) .

ثم وصف الله سبحانه هؤلاء المتقين فقال: {الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، والله يحب المحسنين، والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر الذنوب إلا الله، ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون، أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، ونعم أجر العالمين} .

خاتمة

هذه هي أهم العقبات التي تعترض سبيلنا وتحول بين المصلحين وبين إعادة بناء هذه الأمة من جديد، وهي عقبات ليست مستعصية على الحل وذلك إذا عرفنا هدفنا وغايتنا جيدًا، واتخذنا الطريق المناسب لذلك، واتبعنا سنن الله في خلقه التي لا تتبدل ولا تتغير واتخذنا السياسة الشرعية التي سار فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. فقد عرفوا غايتهم قبل أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت