غيره وكل ذلك ونبيهم معهم ورسولهم بين ظهرانيهم .. وكل ذلك أيضًا صدر من المؤمنين الذين يعيشون في رحاب الوحي، بل ويشاهدون المعجزات كل يوم أمام أعينهم .. فقد شاهد هؤلاء انشقاق البحر، وتحول العصا إلى حية، وخروج يد موسى من جيبه بيضاء من غير سوء، وضرب آل فرعون بالسنين، وتسليط القمل والضفادع عليهم، وإحياء القتيل بضربة من قطعة من لحم بقرة مذبوحة .. كما قال تعالى: {فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون} (البقرة:74)
ولكنهم مع ذلك كانوا كما ذكر الله: {ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة* وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار، وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء، وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون} (البقرة:74)
وكذلك كان في تلاميذ عيسى عليه السلام من وشى به ودل الحكام الظلمة عليه، وهو يعلم أنهم يطلبونه للقتل!!!
وبالرغم أيضًا من أن مجتمع المسلمين أتباع محمد صلى الله عليه وسلم كان خير مجتمع، وأصحابه كانوا خير الأصحاب، وإلا أنه كان فيهم أيضًا من شرب الخمر فجلد، ومن زنى فرجم، ومن سرق فقطعت يده، ومن أصابه ضعف فأفشى سر الرسول لأعدائه، ومن اتهم زوجة النبي -برأها الله- بالزنا ثم جلد، وكان منهم أيضًا من ترك الرسول في يوم جمعة وهو قائم يخطب عندما سمع أنه قد جاءت تجارة .. وكذلك كان فيهم البدوي الجلف الذي يبول في المسجد، ومن يجذب الرسول صلى الله عليه وسلم بحاشية ردائه حتى تؤثر في رقبته .. وكل هؤلاء كانوا من المؤمنين الصالحين، وأما المنافقون فقد كان مجتمع المدينة مليئًا منهم، وهو خير مجتمع وجد على سطح الأرض، وفي عهد النبي صلى الله عليه وسلم وقد تمالئوا مع اليهود والمشركين، وخانوا النبي صلى الله عليه وسلم، وتآمروا على قتله، وكادوا أن يقتلوه غير مرة، وسبوا الرسول والمهاجرين .. وقالوا: {لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا} (المنافقون:7) . وقالوا: {لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل} (المنافقون:8) .. وقالوا أيضًا عن المهاجرين: {ما نرانا وهؤلاء إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك} (قالها رأس النفاق عبدالله بن أبي في غزوة بني المصطلق .. راجع البداية والنهاية ج4 ص/157 .. وتفسير سورة المنافقين) .. ومع ذلك فقد كانوا يصلون مع النبي، ويحجون معه، ويجاهدون الكفار، ويخرجون في الغزو معه، ويتكلمون فيعجب السامع لكلامهم ويسمع لهم من حلاوة منطقهم وحلو حديثهم.
وكان فيهم كذلك الجاهل الأحمق الذي قال: اعدل يا محمد فهذه قسمة منا أريد بها وجه الله.
ولا شك أن الآفات والجرائم والأخطاء والضعف التي كانت بعد ذلك في مجتمع الراشدين، ومن بعدهم، كانت أعظم من هذا بكثير، والمقصود من كل ذلك .. التنبيه على أن المجتمع الصالح