وتصحيحًا لهذا المفهوم الخاطئ .. نقول: إن إصلاح المجتمع الإنساني كله، وهداية الناس جميعًا .. أمر مستحيل، بل هو أصلًا مخالف لسنة الله تبارك وتعالى فقد شاء أن يكون في الأرض مؤمن وكافر، وأن يكون جنة ونار، وأن تمتلئ هذه وتلك .. وهذا الأمر جار وفق حكمته ومشيئته سبحانه وتعالى .. قال تعالى: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} (هود:118 - 119) .
وقال تعالى مسليًا رسوله صلى الله عليه وسلم ومهونًا عليه: {وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقًا في الأرض أو سلمًا في السماء فتأتيهم بآية، ولو شاء الله لجمعهم على الهدى، فلا تكونن من الجاهلين} (الأنعام:35)
ولذلك فإن الكفر لن يمحى من الأرض ما دام الإنسان عليها، بل سنة الله أن يبتلي المؤمنين بالمجرمين، كما قال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا من المجرمين، وكفى ربك هاديًا ونصيرًا} (الفرقان:31) . هذا في الدوائر الإنسانية العامة.
وأما في الدائرة الإسلامية .. أعني دائرة أهل الإيمان فإن الخطيئة والجريمة لم تنقطع من مجتمع المؤمنين مطلقًا، فولدي آدم قتل أحدهما أخاه، وكتب الله القصاص في القتلى بين المؤمنين من أجل ذلك. كما قال تعالى: {واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانًا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر. قال لأقتلنك، قال إنما يتقبل الله من المتقين .. لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك، إني أخاف الله رب العالمين. إني أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار. وذلك جزاء الظالمين. فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله، فأصبح من الخاسرين} (المائدة:27 - 30) .
وقد عقب الله على ذكر هذه الجريمة بتذكيرنا أن الأخ الشقيق يقتل شقيقه ظلمًا إذا قدر على ذلك .. عقب الله على ذلك بقوله: {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض، فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا، ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرًا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون، إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا، أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض، ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم} (المائدة:32 - 33) .
وكذلك كان مع نوح ابنه وزوجته يتظاهران بدينه وليسا كذلك، وفي بني إسرائيل يوم كانت أمة مهتدية قائمة بأمر الله في الأرض كان فيها آنذاك من عبد العجل، ورفض الانصياع لأحكام التوراة، وطلب من موسى عبادة الأصنام، واتهم موسى بقتل هارون، ومن آذى موسى، ومن نكل عن الجهاد والغزو وجبن أمام الأعداء، ومن سرق فقطع، ومن قتل واتهم الأبرياء بأنهم قتلوا قال تعالى عنهم: {وإذ قتلتم نفسًا فادارأتم فيها} (البقرة:72) أي درأ كل منكم التهمة عن نفسه، واتهم