الصفحة 54 من 56

إطلاقهم هذه المصطلحات، لا ما نطلقه نحن تجاوزًا في واقعنا على شخص ما ونسميه القاضي؛ لأنه يعمل في هذا المجال، فليس كل من عمل في القضاء في حالتنا وفي وقتنا هو قاض عند علمائنا، ومثل ذلك نقوله في المفتي ونقوله في العالم.

نعود إلى موضوعنا فنقول: التكفير الاجتهادي هو: نِتاجٌ وثمرةٌ يتوصل إليها العالم على المعنى المتقدم من دراسته وجمعه لعدة علوم، وهي:

1 -علم التوحيد والإيمان أو علم أصول الدين؛ وهو ما يطلق عليه بالمصطلح المعاصر اسم"علم العقيدة"، وقد كان يطلق عليه في فترة من الفترات"الفقه الأكبر".

2 -العلم الجليل العظيم وهو علم أصول الفقه، وما يتفرع عنه من معرفة قواعد الأحكام ومراتبها والناسخ والمنسوخ والجمع بين الأدلة وترجيحها. ولا ننسى في هذا الباب مصطلحات؛ العام والخاص، والمطلق والمقيد، وأنواع الدلالات وغير ذلك، وكذا علم اللغة العربية وفروعه.

3 -علم القواعد الفقهية، الذي يعد علمًا مستقلًا يختلف عن علم الفقه، وإن كان يتداخل معه كثيرًا.

4 -علم الفقه.

ومعنى هذا: أن من سيتصدر للكلام في التكفير يجب أن يكون لديه إلمامٌ بتلك العلوم السابقة الشريفة، أو في أقل الأحوال أن يكون لديه اطلاعٌ جيدٌ يؤهله للحديث في باب التكفير؛ وبالجمع بين تلك العلوم يتم التوصل لأحكام التكفير.

فأحكام التكفير إذًا: هي دمج القواعد العقدية مع القواعد الأصولية مع القواعد الفقهية، ثم الخروج بعد نظر فقهي ومعرفة بالواقع بنتيجة اسمها (أحكام التكفير العامة) ، أو الحكم الخاص بالحالة الفلانية؛ وأخذ أحكام التكفير من قواعدها العقدية فقط، يودي بصاحبه إلى الغلو؛ كما أن أخذ أحكام التكفير من كتب الفقه فقط، يودي بصاحبه للإرجاء؛ والمطلوب الجمع بين هذا وهذا.

إذا عرفت ذلك فلا تستغرب فشوّ الغلو في التكفير في أوساطٍ غير قليلةٍ من شبابنا؛ نظرًا لأن معظمهم لا يعرف شيئًا أبدًا عن علم أصول الفقه، ذلك العلم العظيم الشريف. ولا يعرف شيئًا عن علم القواعد الفقهية، ومعرفته بالفقه ضئيلةُ جدًا جدًا، ومعظمها -أي هذه المعرفة- يقتصر على أبواب الطهارة والصلاة والصيام وبالكاد أحكام الجهاد؛ وأنا أجزم أن معظمهم لم يفتح كتابًا في الفقه ويدرس فيه أحكام المرتدين؛ أما في أبواب العقيدة: فإنه يدرس المختصرات: (كالأصول الثلاثة) ، و (القواعد الأربعة) ، و (الواجبات المتحتمات) ، و (النواقض العشرة) ، و (شروط لا إله إلا الله) ، دون أن يعلم أن هذه المختصرات لا تعطيه علمًا، بل هي الخطوة الأولى في المستوى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت