التضاد، الذي يلزم منه كون أحد القولين صحيحًا والثاني خطأً؛ حيث أن الحق لا يتعدد وإن كان يتنوع.
لماذا نقول هذا في الفقه، بينما في أحكام التكفير نصف المخالف فورًا ولأول وهلة بالبدعة، خروجًا أو إرجاءً؟! بل قد يصل الأمر بالبعض أن يرمي المخالف بالكفر، لماذا هذا ما دام أن أحكام التكفير في معظمها فقهية؟!
للجواب على هذا نقول:
أولًا: لابد أن نفرق ابتداءً بين التكفير الذي لا دخل له بالفقه والاجتهاد والنظر والاستدلال، وبين التكفير الاجتهادي؛ أي القائم على الاستنباط والنظر والاستدلال والاجتهاد.
فالأول: أي التكفير الذي لا دخل للاجتهاد فيه؛ وهو تكفير من جاء النص من كتاب وسنة قاطعًا في تكفيريهم، من ناحية الثبوت ومن ناحية الدِلالة، كقول الله تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} ، فهذه الآية ثابتةٌ ثبوتًا قاطعًا لا مرية فيه؛ حيث أن القرآن منقولٌ إلينا وثابتٌ لدينا، بالتواتر الذي يفيد القطع واليقين، وهذه الآية كذلك دالةٌ دلالةً قاطعةً غير محتملةٍ على كفر من يقول بألوهية المسيح -عليه السلام-؛ وهم النصارى. فدلالتها على هذا المعنى قطعية، فمثل هذا النوع لا شك أنه لا يحتاج إلى إعمال الفقه والاستنباط، إذ يلزم من عدم تكفير هؤلاء وهذه الأصناف تكذيب القرآن دون أي شك، وعلى مثل هذه الحالة أصّل علماؤنا القاعدة الشهيرة: (من لم يكفر الكافر فهو كافر) ، وقد قال بعض علمائنا قديمًا كالقاضي عياض:"من لم يكفر اليهود والنصارى أو من لم يكفر المشركين فهو كافر"؛ بمعنى أنه إذا ترتب على عدم تكفيرهم تكذيب النص القاطع الثبوت القاطع الدلالة، فعندها تنطبق القاعدة: (من لم يكفر الكافر هو كافر) ؛ لأنه كذّب النص، فحين يلزم من عدم تكفير الكافر تكذيب النص، القطعي الثبوت القطعي الدلالة، نقول بالقاعدة.
أما النوع الثاني: وهو التكفير الاجتهادي؛ أي الذي يحتاج في طريق الوصول إليه إلى استخدام آلة الاجتهاد، كما لو كان النص قطعيًا في ثبوته، أي منقولًا بالتواتر كما هو حال القرآن، لكن لم تكن دلالة النص على المعنى قطعية، فعندها لا تنطبق القاعدة، كما في قول الله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} ، وفي دلالة هذه الآية على كفر الحاكم الفلاني؛ فنحن وإن كنا نرى أن هذه الآية تنطبق على حالة هذا الحاكم، لأنه يحكّم القوانين الوضعية مثلًا، إلا أن دلالة هذه الآية على هذه الحالة ليست قطعيةً، كما هو حال دلالة آية: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ} ، على كفر النصارى. وتفصيل هذا يطول، وبابه هو ضوابط التكفير، وإنما المقصود هنا التنبيه فقط.
ثانيًا: التكفير الاجتهادي الذي بيناه في الفقرة السابقة، هو نِتاجٌ وثمرةٌ يتوصل إليها العالم أو المفتي أو القاضي، وأنا أقصد بهذه الكلمات:"العالم، المفتي، القاضي"؛ ما يقصده علماؤنا عند