فيقال هنا ماقيل في قول الإمام النووي رحمه الله تعالى ·
-كما أجاب الحنفية عن حديث (مبيت النبي صلى الله عليه وسلم بمنى) - (بأن النوم عمل جبلي فلا يكون واجبًا) (1) ·
ومن أقوى ماذكره الجمهور في الاستدلال للوجوب: بأن تخصيص العباس بالرخصة لعذره دليل على أنه لا رخصة لغيره ·
وقالوا أيضًا: لو لم يكن واجبًا لكان يجوز للعباس ولغيره دون إرخاص أيضًا: لولا أنه واجب لما احتاج إلى إذن ·
فقد أجاب الحنفية على استدلالهم:
(كما ذكر ابن الهمام بقوله:
(وحديث الإذن للعباس في ترك المبيت بمنى استدل به في الكافي على عدم وجوبه حيث قال: ولو كان واجبًا لما رخص في تركها لأجل السقاية فعلم أنه سنة) (2) ·
(كما لا يرخص في ترك الوقوف بمزدلفة، وترك الجمار بمنى لأجلها) (3)
-كما أجاب ابن الهمام على قولهم: (لولا أنه واجب لما احتاج إلى الإذن) - (وليس بشيء؛ إذ مخالفة السنة عندهم كان مجانبًا جدًا، خصوصًا إذا انضم إليها الانفراد عن جميع الناس مع الرسول صلى الله عليه وسلم، فاستأذن لإسقاط الإساءة الكائنة بسبب عدم موافقته عليه الصلاة والسلام مع مرافقته ···، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام كان يبيت بمنى ··) (1) (وما كانت الصحابة يعتزلون عن مرافقته إلا باستئذان منه، كما هو معلوم من عادتهم، فلا دلالة في هذا الاستئذان على وجوب المبيت بمنى، بل غاية ما فيه وجوب هذا الاستئذان فحسب، بقوله تعالى: ... وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه(2) (3) ·
وأجابوا عن قول ابن قدامة - رحمه الله - (وتخصيص العباس بالرخصة ··) : (ففيه أن تخصيصه إنما حصلت لاستئذانه وحده، ولا يلزم منه عدم الإذن لغيره لو استأذنه لعذر) (4) ·
وأجابوا أيضًا عن قول ابن قدامة: (أنه صلى الله عليه وسلم فعله نسكًا) (ممنوع، بل فعله ذريعة لنسك وهو الرمي، بدليل ماقلنا) (5) : (لأنه وجب ليسهل عليه الرمي في أيامه فلم يكن من أفعال الحج ··) (6) ·
وأجابوا عن قول الحافظ ابن حجر - (لأن التعبير بالرخصة يقتضي أن مقابلها عزيمة) : بقولهم (كونه رخصة وكون مقابلها عزيمة، لا يدل على كون العزيمة واجبة بل يحتمل أن تكون سنة مؤكدة، فكم من عزائم لا تقول الأئمة بوجوبها، كسجود التلاوة في القرآن، فإن غير سجدة(ص) من العزائم عند الشافعية، ولم تقل بوجوبها، وإتمام الصلاة في السفر عزيمة عندهم وليس بواجب اتفاقًا، والصيام في السفر لمن لا يشق عليه عزيمة وليس بواجب اتفاقًا) (1) ·
-بل استدل الحنفية من حديث الإذن للعباس على أن المبيت سنة وليس بواجب (وأيضًا فإذنه صلى الله عليه وسلم للعباس في ترك المبيت بمنى، وعدم إذنه له ترك الرمي، دليل على أن الرمي أشد لزومًا من المبيت، وهذا هو الذي نقول به: إن الرمي واجب، والمبيت بمنى سنة مؤكدة، يكره تركه من غير عذر معتد به) (2) ·
كما أجاب الحنفية على استدلالهم بحديث عاصم (ودلالة الحديث على عدم وجوب المبيت بمنى ظاهر (بالإضافة إلى التقرير - الذي مر ذكره عن الكافي؛ فإنه لو كان واجبًا لما رخص في تركه للرعاء، كما لم يرخص لهم في ترك الوقوف بمزدلفة، ولا في ترك الجمار رأسًا لهذا العذر، ففيه دليل على ماقاله صاحب الهداية: