فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 30

إن المبيت إنما وجب ليسهل عليه الرمي في أيامه، لا؛ لأنه نسك من مناسك الحج، فلا يجب بتركه جابر، إلا أنه يكره بلا عذر ··) (3) ·

دراسة الأقوال والجمع بينها

وبعد هذا العرض لأدلة القائلين بوجوب المبيت بمنى والقائلين بالسنية، ثم مناقشة ذلك يظهر والله أعلم:

أن الخلاف الأساسي بين أصحاب القولين المختلفين (الجمهور، والحنفية) منطلق من الخلاف الأصولي: (هل الوسائل تأخذ حكم المقاصد، أو يكون تبعًا للمقاصد؟) (1) ·

فذهب الحنفية: إلى أن الوسائل ليس لها حكم المقاصد ومن ثم قالوا: (بل فعله ذريعة لنسك وهو الرمي) وقالوا أيضًا: (لأنه وجب ليسهل عليه الرمي في أيامه فلم يكن من أفعال الحج) · ونحوها من أقوالهم السابقة وكل ذلك راجع إلى الاعتماد على القاعدة ·

وأما الجمهور فإنهم يرون أن الوسائل لها حكم المقاصد، وبالتالي ذهبوا إلى شرطية النية في الوضوء؛ لأنه من باب مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب ·

وهكذا هنا فإنه لا يتم الرمي إلا بالمبيت فهو واجب ·

ومن جانب آخر فإن ظاهر الأحاديث القولية والفعلية الواردة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم في المسألة تؤيد ذلك، وهذا ما فهمه بعض أصحابه رضي الله عنهم، ومن ثم كانوا ينهون البقاء ليلًا بعد العقبة؛ لئلا يقعوا في المحظور، هذا والأخذ بمذهب الجمهور الأخذ بالأحوط والأكمل في العبادة والخروج من الخلاف، وهذا ما ينبغي مراعاته لكل حاج، في أداء مناسكه بقدر الاستطاعة ·

كما أن الحنفية استندوا لقولهم بمعنى بعض الأحاديث الواردة عنه صلى الله عليه وسلم حيث إن حكم الواجب لايختلف وقوعه من حج وحاج آخر، فإن الكل يتساوون في أعمال الحج كالرمي، ومن ثم علم بأن الرخصة الصادرة لعمه العباس رضي الله عنه لأجل السقاية دليل على سنية المبيت ·

وهذا ما فهمه بعض أصحابه رضي الله عنهم وبعض التابعين لهم بإحسان رضي الله عنهم، وظهر من فتاويهم مايدل على ذلك ·

ثم إن الأخذ بهذا القول أخذ باليسر والسهولة والتخفيف على الحاج، وهذا من أهم مقاصد الشرع وروحه: ما جعل عليكم في الدين من حرج يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وقوله عليه الصلاة والسلام في أكثر فتاويه في الحج (افعل ولا حرج) وبخاصة في وقتنا الحاضر فإنه ينبغي لأرباب الفتوى إرشاد الناس وبيانهم بالأخذ بهذا القول إذا لم يستطيعوا الأخذ بالأحوط والأولى، وذلك لكثرة عدد الحجيج وازديادهم عامًا بعد عام ومحدودية أماكن المبيت بمنى - (مهما حاولت الدولة على زيادتها وتوسعتها) - وما تستوجب هذه الزيادة الهائلة من إيجاد مرافق لكل فرد من هؤلاء الحجيج، فإنه يقع الكثير من الحرج والضيق والشدة في أداء هذا المنسك ·

ولكل ما سبق ذكره من العلل المؤدية في أداء هذا المنسك لأكثر الحجاج، فإنه يمكن لمن لم يتيسر له المبيت بمنى الأخذ بهذا القول، وله سلف من السلف وعمله موافق لمقاصد الشريعة وروحها إن شاء الله تعالى - كما سبق - ·

وكذلك يمكن للحاج المحتاط والآخذ بوجوب المبيت - والحالة هذه - الأخذ بالقول: بالمبيت بمحاذاة منى وامتدادها كالمزدلفة أخذًا بقوله تعالى: فاتقوا الله ما استطعتم ·

كما وضح ذلك العلامة ابن جاسر بقوله: (إذا ضاقت أرض منى بالحاج ولم يجد موضعًا ينزل فيه بمنى ساغ له أن ينزل في أي أرض تلى أرض منى كمزدلفة ولا دم عليه؛ لأنه معذور، حكمه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت