التعبير بالرخصة يقتضي أن مقابلها عزيمة، وأن الإذن وقع للعلة المذكورة وإذا لم توجد أو ما في معناها، لم يحصل الإذن) (3) ·
ويؤكد هذا ما رواه ابن ماجة عن ابن عباس (لم يرخص النبي صلى الله عليه وسلم لأحد يبيت بمكة إلا العباس من أجل سقايته) ·
وما رواه أصحاب السنن ومالك عن عاصم (أن رسول الله رخص لرعاء الإبل في البيتوتة يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغد، ومن بعد الغد بيومين ويرمون يوم النفر) (4) ·
قال القرافي معلقًا: (والرخصة تقتضي انتفاء الوجوب لقيام المانع، وثبوت الوجوب عند عدمه) ·
وقال الباجي: (قوله صلى الله عليه وسلم أرخص لرعاء الإبل في البيتوتة خارجين عن منى، يقتضي أن هناك منعًا خص هذا منه؛ لأن لفظة الرخصة لا تستعمل إلا فيما يخص من المحظور للعذر، وذلك للرعاء عذرًا ···) (5) ·
ومن أهم أدلة القائلين بهذا المذهب:
ماروى مالك، عن نافع، أنه قال: (زعموا أن عمر بن الخطاب كان يبعث رجالًا يدخلون الناس من وراء العقبة) (6) ·
روى مالك في الموطأ أيضًا عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب قال: (لا يبيتن أحد من الحاج ليالي منى من وراء العقبة) (1) ·
وروى مالك عن هشام بن عروة، عن أبيه، أنه قال في البيتوتة بمكة ليالى منى: (لا يبيتن أحد إلا بمنى) (2) ·
ومما سبق عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (أنه كان يمنع الحجاج من المبيت خارج منى، ويرسل رجالًا يدخلونهم في منى وهو من الخلفاء الراشدين الذين أمرنا بالاقتداء بهم، والتمسك بسنتهم) (3) ·
وعلق الباجي على مجموع الأدلة القائلة بالوجوب، حتى ذهب إلى القول بأنه (إجماع لعدم الخلاف) :
وقال: (والأصل في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بات بمنى ليالي منى، وأرخص(العباس) في المبيت بمكة لأجل السقاية، وهذا يدل على أنه مأمور به، وإلا فكان يجوز للعباس ذلك ولغيره دون إرخاص، وقد تأكد ذلك بفعل الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بمنع عمر المبيت وراء العقبة، وهذا إجماع لعدم الخلاف) (4) ·
أدلة القائلين بعدم وجوب المبيت:
استدل الحنفية على كون المبيت سنة بقولهم: إن المبيت بمنى ليلة الثامن من ذي الحجة سنة، وكذلك المبيت بمنى ليلتي الحادي عشر والثاني عشر من ذي الحجة سنة أيضًا فإن أقام بمنى لأجل الرمي فعل الأفضل، وإن تركه لا شيء عليه، ويكون مسيئًا) (5) ·
وقال البابرتي: (إن المقصود من البيتوتة وغيرها وهو أن يسهل عليه مايقع في الغد من النسك وهو الرمي، فلما لم تكن مقصودة لنفسها، لم تكن من أفعال الحج، فلم يوجب تركها جابرًا كالبيتوتة بمنى ليلة العيد) (6) ·
واستدل ابن قدامة لرواية الإمام أحمد
(ولأنه قد حلّ من حجه، فلم يجب عليه المبيت بموضع معين كليلة الحصبة) (1) ·
هذا واستدل الحنفية بحديث العباس رضي الله عنه حيث استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له) (2) ·
وجه الدلالة: (قال: ولو كان واجبًا لما رخص في تركها لأجل السقاية، فعلم أنه سنة) ·