إن السنة للحاج بعد أن مَنَّ الله تعالى عليه بالوقوف بعرفة يوم التاسع وأمضى نهاره في الدعاء والاستغفار والتلبية، ثم تابع ليله بمزدلفة (ليلة النحر) بالصلاة وجمع الجمار، وأخذ قسطًا من الراحة كما صحّ ذلك عن المصطفى صلوات الله تعالى وسلامه عليه من فعله وقوله ·
ثم يتجه الحاج صباح (يوم العيد) بعد أن وقف بالمشعر الحرام ليلته إلى منى لابتداء عمل يوم العاشر - وهو من أكثر أيام الحج عملًا في النسك - فأول عمل يبدؤه الحاج يوم العيد: رمي جمرة العقبة، تحية لمنى ·
ثم يذبح الهدي إن كان متمتعًا أو قارنًا، ويحلق رأسه، أو يقصر، وإن كان مفردًا حلق أو قصر، ثم طاف بالبيت طواف الإفاضة (طواف الحج) ، والطواف ركن من أركان الحج، ثم سعى بين الصفا والمروة سعي الحج، لمن لم يسبق له السعي قبل الحج، ومتى ما طاف الحاج فقد حل له كل شيء كان محظورًا عليه بسبب الإحرام: حلّ له الطيب والنساء ··· إلخ ·
يلزم الحاج بعد طواف الإفاضة أن يعود إلى منى على الفور، وأن لا يبيت ليالي التشريق (1) إلا بمنى [وليالي التشريق: هي الحادي عشر، والثاني عشر (لمن تعجل) وليلة الثالث عشر أيضًا (لمن تأخر) ]
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رجع إلى منى فبات بها هو وجميع من معه وقد قال (لتأخذوا عني مناسككم) وهذه السنة الموروثة عنه التي تناقلتها الأمة خلفًا عن سلف؛ إلا أن أهل السقاية الذين يسقون الحجيج يرخص لهم في المبيت بمكة برواية ابن عباس ···) (2) ·
ومن ثم اتفق العلماء بأن المبيت بمنى في ليالي أيام التشريق مشروع وينبغي على الحاج الحرص والالتزام بذلك، لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وقوله، وكذلك أصحابه رضي الله عنهم - كما سبق -
إلا أن الفقهاء اختلفوا في حكم المبيت: هل هو واجب أم سنة؟ وبالتالي جاء اختلافهم أيضًا في جزاء ترك المبيت تبعًا ·
هذا وقد اختلف الفقهاء في مسألة المبيت بمنى على قولين:
القول الأول: هو أن المبيت بمنى واجب، وهو قول الإمام مالك، والشافعي، ورواية عن أحمد رضي الله عنهم (1) ،
القول الثاني: وهو أن المبيت سنة، وأساء لمن ترك، وهو مذهب الإمام أبي حنيفة ورواية عن أحمد، وقول ابن حزم من الظاهرية ·
وسيأتي عرض أقوالهم وأدلتهم بالتفصيل:
القول الأول: القائلون بوجوب المبيت وهو مذهب جمهور الفقهاء:
(قال مالك: إن بات ليلة كاملة أو جلها في غير منى فعليه لذلك الدم، وإن كان بعض ليلة فلا يكون عليه شيء) (2) ·
(قال ابن عبد الحكم عن مالك، وابن حبيب عن ابن الماجشون: من أقام بمكة أكثر ليلته ثم أتى إلى منى، فأقام بها حتى أصبح فلا شيء عليه، حتى يبيت ليلة كاملة فعليه دم) (3) ·
قال الشافعي: (ولا يبيت أحد من الحاج إلا بمنى، ولا رخصة لأحد في ترك المبيت عن منى إلا رعاء الإبل وأهل السقاية سقاية العباس بن عبد المطلب دون السقايات ···) (4) ·
قال الإمام النووي:(إنه ينبغي أن يبيت بمنى ليالي أيام التشريق وهل المبيت بها واجب أم سنة؟ فيه طريقان: أصحهما وأشهرهما: وبه قطع المصنف، والجمهور فيه قولان: أصحهما: واجب ·
والثاني: سنة، ودليلهما في الكتاب، والطريق الثاني: سنة قولًا واحدًا، فإن ترك المبيت جبره بدم بلا خلاف) (5) ·