وقد كان الحسن رضي الله عنه مقبولا لدى عموم المسلمين، وكان يتحلى بشخصية علمية وتربوية في آن واحد، لذلك كان يحاكي الناس ويفهم طبيعة نفوسهم وطريقة تفكيرهم، وقد كان للتربية النبوية أثرها الكبير في صقل شخصيته رضي الله عنه، فقد كان يقدم مصلحة الأمة وحفظ دمائها وعزتها على شخصه ومكانته في نفوس المسلمين والمؤمنين.
فعندما قال له نفير بن الحضرمي: (أن الناس يزعمون أنك تريد الخلافة) ، فقال: (كانت جماجم العرب بيديـ يسالمون من سالمت، ويحاربون من حاربت، فتركتها أبتغاء وجه الله) [1] .
هذه الرواية تدل على أنه كان في وضع قوي، وأن له أتباع مستعدين لمحاربة من يريد أو مسالمتهم، حيث أنه أشترط على أهل العراق عندما أرادوا بيعته فقال لهم: (أنكم سامعون مطيعون، تسالمون من سالمت، وتحاربون من حاربت) [2] .
وفي رواية أبن سعد: أن الحسن أبن علي بن أبي طالب بايع أهل العراق بعد علي على بيعتين، بايعهم على الإمرة، وبايعهم على أن يدخلوا فيما دخل فيه، ويرضوا بما رضيه به [3] .
وهذا يدل على أن الحسن، بالرغم من قوته الشخصية الفذة وقوته العسكرية والمادية المعنوية وإحاطة الناس به، فضلًا عن كونه خليفة للمسلمين، وأنه يستطيع أن يحارب من شاء، إلا أنه - وبالرغم من كل ذلك - كان يمهد من أجل التنازل عن الخلافة، أذا كان في ذلك مصلحة الأمة وحفظ دينها ودمائها وكرامتها وعزتها، ولذلك أشترط عليهم في بيعة الإمارة والخلافة أن يوافقونه فيما يريد من أتخاذ القرارات المتعلقة بالأمة ومصيرها.
فيا الله، يا الله، يا الله! لقد كان رضي الله عنه - وهو خليفة - يمهد للصلح فور أستخلافه، وأخذ ينادي بالسلم والصلح لحقن الدماء، وتوحيد الأمة والرغبة فيما عند الله وزهده في الملك والرياسة وغيرها، فقد قاد الحسن بن علي رضي الله عنه؛ مشروع الاصلاح الذي توج بوحدة الأمة، حيث أنه تنازل بالخلافة إلى معاوية رضي الله عنه.
وقد مدحه النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك، فقد أخرج البخاري من طريق أبي بكرة رضي الله عنه قال: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المنبر والحسن بن علي جنبه، وهو يقبل على الناس مرةً وعليه مرةً أخرى، ويقول: (إن إبني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) [4] .
(1) البداية والنهاية (11/ 206) .
(2) تأريخ الطبري (6/ 77) .
(3) طبقات بن سعد (1/ 316 - 317) تحقيق د. محمد السليمي.
(4) البخاري رقم 7109.