الصفحة 4 من 5

وقد سُمّي العام الذي حصلت فيه هذه المصالحة بـ"عام الجماعة"، وسمى المؤمنون الحسن بن علي رضي الله عنهما بعد هذا الصلح؛"مبيض وجوه المؤمنين"، لأن هذا يدل على سعة فقهه رضي الله عنه وتقواه وإرادته وجه الله تعالى واليوم الآخر.

يقول شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله: (وأثنى النبي صلى الله عليه وآله وسلم على الحسن بهذا الصلح الذي كان على يديه، وسمّاه سيدًا بذلك، لأجل أن ما فعله الحسن يحبه الله ورسوله، ويرضاه الله ورسوله، ولو كان الاقتتال [1] الذي حصل بين المسلمين هو الذي أمر الله به ورسوله؛ لم يكن ألامر كذلك، بل يكون الحسن قد ترك الواجب أو الأحب إلى الله) [2] .

على الرغم من تنازل الحسن بن علي لمعاوية - رضي الله عنهم جميعًا - بالخلافة وأصبح معاوية هو الخليفة، إلاّ أن الحديث الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن الحسن رضي الله عنه سيصلح الله به بين فأتين من المسلمين؛ يدل على أن الحسن هو أفضل من معاوية رضي الله عنهما.

ويمكن الاستفادة من هذا النص أمور منها:

"أن الشريعة الإسلامية وضعت موازين أساسية تتعلق بالافعال والاقوال والمواقف التي كُلِّفَ بها العباد، فعلى قدر قرب العباد وبعدهم عن هذه الموازين يكون وزنهم ومكانتهم عند الله ورسوله وعند المؤمنين، وإن من ترك شيئًا لله عز وجل عوضه الله خيرًا منه، ولذلك جعل الله عز وجل في آخر الزمان في ولد فاطمة من نسل الحسن بن علي رضي الله عنهما؛ إكرامًا لابيه وأكرامًا لموقفه الذي لا يوقفه إلا المصلحون الحقيقيون، والمجدون الهاديون المهديون".

فهل يدرك قادة الجماعات الإسلامية اليوم هذا المعنى الكبير؟ وهل يستطيعون التخلي عن كل ما من شأنه أن يفرق جمع المسلمين؟

نريد من أصحاب القرار أن ينتبهوا إلى أنفسهم، وأن يقدموا مصلحة أمتهم على كل المصالح الشخصية وغير الشخصية، نريد منهم البحث عن حلول تغير الواقع المؤلم الذي يعيشه المسلمون اليوم.

إن المسلمين يعانون ألمً الشرك الذي وقع في الأمة، والردة عن الإسلام في كثير من الاحيان، ويعانون ألم التفرق في الدين، والسبب هو أن قادة المسلمين، أو قادة الجماعات الإسلامية وعلمائها ودعاتها؛ لم يفعلوا كما فعل الحسن بن علي رضي الله عنهما، وهذا الحال

(1) أي: الاقتتال بين الامام علي ومعاوية رضي الله عنهما فمدح الحسن رضي الله عنه لانه لم يستأنس القتال.

(2) مجموع الفتاوى ج35/ص46 - 47، المكتبة التوفيقية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت