السفر يكون في الحضر، وقد سبق آنفًا ما ذكره الإمام القرطبي في هذا المعنى · ويؤيد هذا أن الشروط التي ذكرها في عقد المداينة إنما جاء التعبير بها لفوائد أخرى غير نفي الحكم عما سوى المذكور ·
وبيان ذلك فيما يلي:
1 -إن القول بالشرط الأول، وهو شرط المداينة ممنوع · لأنه ورد فيه حصر المداينة وأسبابها في البيع، والسلم، والقرض · فكما يوجد المداينة بسبب هذه الأمور فإنه يوجد بأسباب أخرى كالنكاح وغيره · وفي ذلك يقول القرطبي نقلًا عن ابن عباس رضي الله عنهما: (قال ابن عباس في هذه الآية: إن آية المداينة نزلت على السلم خاصة · ثم عقب على قول ابن عباس قائلًا: إن سلم أهل المدينة كان سبب نزول الآية، ثم هي تتناول جميع المداينات إجماعًا) (1) ·
وما قاله القرطبي في غاية الوضوح · لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ·
2 -أما الشرط الثاني · وهو: أن يكون الدين مؤجلًا ·
فإنه لا يبقى أن يكون مشروعًا في الدين الحال، لأن الرهن قد شرع للتوثق
والحاجة إليه في الدين المؤجل أظهر منها في الدين الحال · وهذا لا يعني أن الدين الحال لا يحتاج فيه إلى التوثق ففيه أيضًا يحتاج إلى ذلك فمع احتمال هلاك المدين، أو فراره قبل أداء الدين، أو هلاك ماله · فكل ذلك يمكن تجنبه بالرهن ·
3 -وأما الشرطان الثالث والرابع، وهما: السفر، وعدم وجود الكاتب، فقد خرجا مخرج الغالب، لأن السفر مظنة عدم وجود الكاتب، خصوصًا إذا لا حظنا أن الكاتب لم يكن متيسرًا في عهد التنزيل في حالتي السفر والحضر وإن كان في حالة السفر أكثر عذرًا ·
الترجيح:
والذي يظهر رجحانه - بعدما مر من الاستدلال والمناقشة - هو ما ذهب إليه الجمهور من جواز الرهن في الحضر مطلقًا، لقوة أدلتهم، ولأنه الذي يتفق وسماحة الإسلام ويسره، وكفالته لمصالح الأفراد والجماعات · وما استدل به المخالفون إنما هو مفهوم المخالفة، ومن شروط العمل به عند من يرون حجيته في الأحكام أن لا يكون هناك ما هو أقوى منه من منطوق، أو مفهوم موافقة يعارضه (2) ، وقد وجد في هذه المسألة منطوق يخالف هذا المفهوم وهو ما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رهن درعه عند يهودي بطعام اشتراه لأهله، وقد كان هذا بالمدينة وهى حضر· فلا يكون ثمة مجال لإعمال مفهوم المخالفة الذي استدل به من خالف الجمهور ·
المطلب الثالث
انتفاع المرتهن من المرهون
لا خلاف بين الفقهاء على أن عين الرهن ومنافعه ملك للراهن، وأن للمرتهن حق استيفاء دينه من ثمن المرهون إذا تعذر على الراهن وفاء الدين للدائن إذا حل أجل الوفاء، ويكون المرتهن مقدمًا على سائر الغرماء في استيفاء حقه ·
وكذلك لا خلاف بين الفقهاء على أنه لا يحل للمرتهن أن ينتفع بشيء من المرهون إذا لم يأذن له الراهن ولم يكن المرهون مركوبًا، أو محلوبًا، أو صالحًا للخدمة (1) ·
لكن ثمة خلافًا وقع بين الفقهاء في حكم انتفاع المرتهن من المرهون إذا أذن له الراهن مطلقًا، سواء كان المرهون مركوبًا، أو محلوبًا، أو صالحًا للخدمة، أو لم يكن كذلك، أو إذا لم يأذن له الراهن، وكان المرهون مركوبًا، أو محلوبًا، أو صالحًا للخدمة · وأبين فيما يلي الخلاف في هاتين المسألتين