استدل مجاهد ومن وافقه على أن الرهن لا يجوز في الحضر مطلقًا بما يلي:
الكتاب:
قوله تعالى: وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة ·
وجه الاستدلال:
إن مشروعية الرهن قد علق على السفر وعدم الكاتب، والتعلق بالشرط يقتضي عدم الحكم عند عدم الشرط، وإلا لما كان للتعليق بالشرط فائدة فمفهوم قوله تعالى: وإن كنتم على سفر يمنع الرهن في الحضر مطلقًا (5) ·
ونوقش هذا الاستدلال بما يلي:
1 -إن التقييد بالسفر لا مفهوم له، إذ العمل بالمفهوم عند من يقول به مشروط بأن لاتوجد للتقييد به فائدة أخرى سوى تخصيص المذكور بالحكم، وهنا الأمر ليس كذلك فإن فائدة التقييد هنا بيان الواقع، أو ذكر الحالة الغالبة على حد ماهو معلوم في قوله تعالى: وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن (1) · إذ إن الربيبة حرام سواء تربت في حجر زوج أمها، أم تربت بعيدًا عنه، ولكن التقييد خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له ·
2 -لقد ثبت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم جواز الرهن في الحضر، لأن رهنه صلى الله عليه وسلم درعه عند اليهودي كان بالمدينة وهي موطنه، والنبي صلى الله عليه وسلم قدوة لنا (2) ·
ج - أدلة أصحاب المذهب الثالث:
استدل ابن حزم على ماذهب إليه من أن الرهن لا يجوز في الحضر إذا كان باشتراط من المرتهن، وجوازه إذا كان تطوعًا من الراهن بما يلي:
الكتاب:
قول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه···· (3) - إلى قوله تعالى: وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة (4) ·
وجه الاستدلال:
قال ابن حزم: إن هذه الآية الكريمة تدل على الآتي:
أ -إن الله سبحانه وتعالى قد شرع الرهن مشروطًا بأربعة شروط وهي:
1 -أن يكون في عقد مداينة التي هي: البيع، والسلم، والقرض، إذ المداينة لا تكون إلا في هذه العقود الثلاثة ·
2 -أن يكون الدين مؤجلًا إلى أجل مسمى ·
3 -أن يكون العاقد على سفر ·
4 -ألاَّ يوجد كاتب ·
فهذه الشروط الأربعة قد نص القرآن عليها، فوجب اعتبارها والعمل بمقتضاها، واشتراط الرهن في عقد مداينة في الحضر مخالف لما جاء في الكتاب الكريم فيكون مردودًا · لقوله صلى الله عليه وسلم: (كل شرط ليس في كتاب الله تعالى فهو شرط باطل وإن كانت مائة شرط، من اشترط شرطًا ليس في كتابه فليس له) (1) ·
ب - أما إذا وقع الرهن تطوعًا في الحضر فلا بأس به · لأنه في هذه الحالة يكون من التعاون على البر، وحسن المعاملة الذي يدخل تحت مدلول قوله تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى (2) · ولأنه فعل لم ينه عنه الشارع بل هو داخل تحت ما أمر به (3) ·
ونوقش هذا الاستدلال:
إن النص القرآني الكريم دل فيما دل عليه على جواز الرهن في حالات العذر، والعذر كما يكون في