اختلف الفقهاء في جواز الرهن في الحضر، ولهم في ذلك مذاهب ثلاثة:
المذهب الأول:
يرى من ذهب إليه جواز الرهن في الحضر ·
وقد ذهب إلى هذا الجمهور الأعظم من الفقهاء، الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة (4) ·
المذهب الثاني:
يرى من ذهب إليه عدم جواز الرهن في الحضر، وهو مروي عن مجاهد، والضحاك وداود الظاهري (1) ·
المذهب الثالث:
يرى أصحابه أنه لا يجوز الرهن في الحضر إذا شرطه المرتهن في العقد ويجوز إذا كان تطوعًا من الراهن، إلى هذا ذهب ابن حزم الظاهري (2) ·
الأدلة والمناقشة:
أ - أدلة أصحاب المذهب الأول:
استدل الجمهور على مذهبهم من جواز الرهن في الحضر بالكتاب، والسنة، والقياس ·
أ - الكتاب:
قوله تعالى: وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة ·
وجه الاستدلال:
إن الله تعالى بعد أن أرشد عباده إلى وسيلة حفظ الأموال في أثناء التعامل فيها وذلك بالكتابة والإشهاد، عقب ذلك بما ينبغي اتباعه في حفظ هذه الأموال في حالة تعذر الكتابة والإشهاد عليها ثم نبه على حالات العذر بما يغلب فيه وجوده وهو السفر، يقول القرطبي: (ويدخل في ذلك المعنى كل عذر قرب وقت يتعذر فيه الكاتب في الحضر كأوقات اشتغال الناس وبالليل ··· وأيضًا فالخوف على خراب ذمة الغريم عذر يوجب طلب الرهن) (3) والرهن شرع توثقه على الدين بدليل قوله تعالى بعد ذلك ·: فإن أمن بعضكم بعضًا ··· ومعنى هذا، إن أساس مشروعية الرهن الاستيثاق، فيجوز كلما كانت هناك حاجة لذلك، والتقييد بالسفر خرج مخرج الغالب لأنه مظنة فقد الكاتب (4) ·
ب - السنة:
1 -ما روته السيدة عائشة -رضي الله عنها - (أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى طعامًا من يهودي ورهنه درعًا له من حديد) (1) ·
2 -عن أنس - رضي الله عنه - قال: (رهن رسول الله صلى الله عليه وسلم درعًا عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيرًا لأهله) (2) ·
وجه الاستدلال:
أفادت هذه الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رهن درعه عند هذا اليهودي، وقد كان بالمدينة وهي حضر ·· كما صرح بذلك رواية أنس - فالرهن في الحضر يجوز سواء كان باشتراط من المرتهن، أو بغير شرط · وقد رهن رسول الله صلى الله عليه وسلم درعه في الحالين، وفعله يدل على جواز الرهن في الحضر مطلقًا لأن الأصل عدم خصوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الحكم، لعدم قيام الدليل على هذه الخصوصية (3) ·
ج - القياس:
وهو: قياس الرهن على الضمان · لأن المقصود من كل منهما توثيق الدين، وكما جاز الضمان حضرًا وسفرًا يجوز الرهن سفرًا وحضرًا كذلك (4) ·
ب - أدلة أصحاب المذهب الثاني: