الصفحة 20 من 27

2 -سلامة البدلين ·

فإن تلف المبيع وفاء وكانت قيمته مساوية للدين - أي الثمن - سقط الدين في مقابلته، وإن كانت زائدة على مقدار الدين، وهلك المبيع في يد المشتري سقط من قيمته قدر ما يقابل الدين (1) ·

فإذا انعدم هذان الشرطان، أو انعدم أحدهما، فلا يصح بيع الوفاء · ولا يترتب عليه أي أثر من آثاره ·

بينما الأمر ليس كذلك في هذا العقد، وذلك لانعدام الشرط الثاني - وهو سلامة البدلين - لأن هلاك الدار أو العمارة يكون من ضمان بائعها ولا يرجع بشيء في ذلك على المشتري، اللهم إلا إذا كان الهلاك بسبب فعل المشتري فإنه في هذه الحال يتحمل تبعة الهلاك، وفي غير ذلك يكون البائع مسئولًا عن هلاك العقار وتلفه · وبهذا فارق هذا العقد، بيع الوفاء الذي حكم بجوازه متأخرو الحنفية ·

2 -إن بيع الوفاء جُوّز للضرورة الملحة إليه، لأن الناس يمتنعون عن اقتراض أموالهم إذا لم يكن ثمنه منفعة ينتفعون بها من هذا الاقتراض، وقد جرى عرف الناس على ذلك، حتى لجأ الفقهاء إلى جوازه، مع أن هذا العرف متعارض مع نص تشريعي، فقام الفقهاء بتعليل النص بما يوافق مع هذا العرف، وهو أن علة النص إذًا تنتفي وتزول بالعرف، وحينها يجوز التعامل بهذا العرف الطارئ ·

أما الناظر في هذا العقد فإنه يرى أن الضرورة معدومة من أساسها، لأن ... التاجرالذي يأخذ أموال الناس في مقابل بيع العقار وفاء عليهم، لا يقصد من ... وراء هذا العقد سوى زيادة دخله ورواج تجارته، وليست هناك أية ضرورة تستدعيه إلى هذا التعامل سوى الطمع والجشع · ثم إن هذا العرف متعارض تمامًا مع نص تشريعي وهو النهي عن بيع وشرط · لأن علة النص - وهو وقوع المنازعة والمشاحنة - لاتزول بهذا العرف بل تزيد وتكثر، والواقع خير شاهد على ذلك، حيث أكثر المنازعات والخصومات تكون بسبب هذا العقد، وبالتالي فلا يصح مقارنة هذا العقد مع بيع الوفاء، ولا وجه قياسه على بيع الوفاء في الجواز والإباحة ·

3 -إن الإباحة في العقود مشروط بعدالتها، وعليه فكل عقد يحل حرامًا حرمه الله على عباده، أو يحرم حلالًا أحله لهم يكون باطلًا وغير مشروع ·

ومن هنا نرى أن العدالة معدومة في هذا العقد لأن التاجر الذي يبيع عمارته في مقابل مقدار من المال إلى أجل معلوم، قد يستفيد المشتري ويكسب في خلال تلك الفترة من الربح مايزيد أضعافًا عما دفعه إلى التاجر مضافًا إليه أنه في النهاية يأخذ ماله كما هو · أليس هذا هو عين الربا الذي نهى عنه الشارع · وأين العدالة التي اشترطها الفقهاء في إباحة العقود وكيف حققت؟

ولما كان الأمر كذلك، التجأ الفقهاء - في أفغانستان وباكستان - إلى حرمة هذا التعامل، وأفتوا بحرمته ·

واستندوا في فتاواهم إلى الأدلة التي تحرم التعامل بالربا، بالإضافة إلى أن هذا العقد لا يندرج تحت أي صنف من أصناف العقود التي بينها الفقهاء ووضعوا لكل عقد أحكامه الخاصة به يميزه عن غيره من العقود (1) ·

وبهذا أكون قد وصلت إلى نهاية المطاف في هذه الدراسة الفقهية، عسى الله أن أكون قد قربت به بعيدًا أو قنصت به شاردًا ·

ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا ·

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى أهله وصحبه وكل من أعانه على رفع منارة الدين، وتفقه في دينه ·

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت